أَيُّهَا الإِيرَانِيُّونَ، أَعِيدُوا الْقُنْبُلَةَ GBU-39 الَّتِي أَتَتْ سَائِحَةً إِلَى إِيرَانَ وَضَلَّتْ طَرِيقَهَا.
الكاتب: د. محمد عودة
تنعقد اليوم في إسلام آباد الجولة الأولى من المباحثات لإنهاء الحرب بين إيران وأمريكا بوساطة باكستانية، بغية تحويل هدنة الأسبوعين إلى وقف دائم لإطلاق النار، ووضع ترتيبات في المنطقة، في محاولة لتحقيق ما لم تحققه القوة، وإظهار الكل منتصرًا. ومن أجل فهم الأسباب التي دفعت أمريكا إلى طلب الحوار أو الموافقة عليه، في ذروة تهديدات ترامب بمحو الحضارة الفارسية من جذورها، لا بد من التدقيق في جملة من الإخفاقات التي تُعتبر السبب الحقيقي لقبول أمريكا بهذا الحوار، وإن تم تغليفها بعوامل أخرى.
هذه القراءة تعمد إلى تحليل دور جملة من الضغوط والإخفاقات التي تتطلب بعض الوقت لإعادة التموضع، في حال فشلت المباحثات، مما يُمكّن كل طرف من إعادة ترتيب أوراقه لخوض الحلقة القادمة من هذه الحرب التي لم تحقق أهداف أي من أطراف الصراع. إيران تريد ترسيخ دورها كقوة إقليمية، وأمريكا تريد مواجهة نمو القطب البديل، إضافة إلى الهيمنة على العالم من خلال السيطرة على البترول والغاز والمعادن النادرة، إضافة إلى السيطرة على طرق التجارة، بينما إسرائيل تريد إنجاز شرق أوسط جديد يكفل تفردها بزعامة المنطقة. لم يحقق أي منهم أهدافه بالقوة.
ومن أجل إيجاد مبررات لتراجع طرف ما يعلن دومًا أنه انتصر، لا بد من مبررات معلنة، وأحد أهم هذه المبررات استعادة فخر الصناعة الأمريكية، والتي سقطت دون أن تنفجر، واستحواذ إيران عليها قد يُسرّب معلوماتها الخطيرة. إنها القنبلة GBU-39، وهنا لا تُستحضر القنبلة بوصفها واقعة تقنية بحتة، بل كعنصر سردي يُعاد توظيفه لتغطية فجوة أعمق بين الخطاب والنتيجة، حيث يتحول الحدث العسكري المحدود إلى أداة تفسير واسعة تُستخدم لإعادة إنتاج معنى “الإنجاز” في لحظة يغيب فيها الحسم الفعلي. لقد تم توظيفها سابقًا كسلاح مرعب، وللوصول إلى اتفاق وقف إطلاق في لبنان في 27/11/2024.
ولكي يتاح للقارئ العودة إلى شهر نوفمبر 2024 وفهم مدلولات سقوط GBU-39 وعدم انفجارها، فإن المسألة هنا لا تتعلق بسقوط تقني معزول، بل بكيفية تحويل هذا الحدث داخل الخطاب السياسي والإعلامي إلى نقطة ارتكاز تفسيرية، يُعاد من خلالها تأطير مسار كامل من الضغوط والتراجعات. حين طلبت الحكومة الأمريكية من الحكومة اللبنانية استعادة القنبلة حتى لا تقع في يد العدو الإيراني، وهو طلب يُقرأ ضمن سياق أوسع من القلق المرتبط بفقدان السيطرة على مخرجات الفعل العسكري، لا كحادثة منفصلة بحد ذاتها. واعتمدتها إسرائيل كسبب للوصول إلى الهدنة التي وُقّعت في 27/11/2024 بين إسرائيل وحزب الله، بوصفها مبررًا مُعلنًا يُغطي على شبكة أعمق من دوافع الاستنزاف والضغط البنيوي. حيث إن الأسباب الحقيقية لتلك الهدنة كانت تخفيف الضغط عن شمال إسرائيل، ذلك الضغط الذي أرهق الحكومة الإسرائيلية، علمًا أن إسرائيل لم تلتزم ولو ليوم واحد بتلك الهدنة، لأن مصلحة نتنياهو تقتضي استمرار الحرب.
أما الملف الإيراني، وما يرتبط به من توازنات إقليمية ودولية، فهو ملف أكثر صدامية، إذ من المعروف أن الولايات المتحدة اصطدمت بعجز بنيوي واضح، حيث عجزت عن جرّ حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى انخراط كامل في مواجهة واسعة بالشكل الذي كانت تحتاجه أو تراهن عليه، ما كشف أن منظومة التحالفات لم تعد أداة طيّعة، بل إطارًا يفرض حدوده على الفعل، ويعيد ضبط سقف التصعيد بدل توسيعه.
ويُضاف إلى ذلك فشل أمريكا في بلوغ “الحسم الكامل” للملف النووي الإيراني. فرغم تصريحات ترامب بأنه دمر البرنامج النووي الإيراني بالكامل، إلا أنه—وفي تناقض فاضح—يعلن أنه يريد مصادرة اليورانيوم المخصب والمقدر بـ 485 كغم. وهذا التناقض لا يُقرأ كتصريح سياسي عابر، بل كدليل على الفجوة البنيوية بين ما يُعلن كإنجاز وما يفرضه الواقع من استمرار الملف مفتوحًا، حيث تتحول اللغة نفسها إلى أداة لإدارة الإخفاق لا لإخفائه فقط. وضمن معطيات الواقع، فإن البنية النووية والتقنية الإيرانية، كمنظومة شديدة التعقيد موزعة ومتشعبة، تجعل من فكرة التدمير الشامل أو الإنهاء السريع خيارًا أقرب إلى الوهم العملياتي منه إلى الإمكانية الواقعية. وهنا لا يحدث الحسم، بل يتكرس الاستنزاف كحالة دائمة، وتتحول الأزمة إلى ملف مفتوح لا يقبل الإغلاق.
وفي امتداد هذا الإطار، تُطرح مسألة عدم القدرة على فرض سيطرة عسكرية على الممرات الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، باعتبار أن هذا النوع من السيطرة لا ينتج نفوذًا مستقرًا، بل يفتح مباشرة احتمالات مواجهة إقليمية ودولية واسعة، تجعل أي محاولة للهيمنة أقرب إلى مقامرة شاملة لا يمكن التحكم بنتائجها. وهنا لا يظهر الإخفاق كتعثر، بل كمؤشر على أن القوة نفسها تعمل داخل قيودها لا خارجها.
وفي بعض الخطابات الإعلامية والسياسية التي نستحضرها في هذه القراءة، تُذكر روايات عن عمليات معقدة أو عناصر مفقودة أو حوادث مرتبطة بساحات الصراع، تُستخدم كأدوات تفسير أكثر مما هي وصف للواقع، أي أن السرد هنا لا يواكب الحدث بل يُعاد إنتاجه بما يخدم الحاجة إلى المعنى، في لحظة يعجز فيها الفعل ذاته عن تقديم نتيجة قابلة للحسم، وكأن السرد بات يسبق الحدث بدل أن يشرحه، ويملأ فراغات لا يستطيع الفعل السياسي والعسكري نفسه إغلاقها.
وعند الانتقال إلى الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية، تتكثف الصورة أكثر وتصبح أكثر احتكاكًا وضغطًا. فالمواجهة بين حزب الله وإسرائيل تُقدَّم كحالة استنزاف مفتوحة على الجبهة الشمالية، حيث لا تنتج العمليات المتبادلة مجرد توتر، بل تُراكم ضغطًا استراتيجيًا بنيويًا يمسّ الإخلاءات، والاقتصاد، والأمن، وقدرة الدولة على إدارة جبهة بلا أفق حسم، ما يحولها من أزمة ظرفية إلى عبء دائم يعيد تشكيل القرار السياسي نفسه.
لكن القراءة تضيف هنا طبقة رمزية أكثر حدة، عبر استدعاء GBU-39 كأداة خطابية تُستخدم لتفسير التحولات، وكأن الدقة العسكرية تتحول إلى استعارة جاهزة تغطي عجزًا أعمق في فهم البنية الحقيقية للصراع، بينما الواقع نفسه يعمل خارج هذه الرموز وبعيدًا عن قدرتها على الاختزال.
أما في الملف الإيراني تحديدًا، فإن الإخفاقات لا تتجاور فقط، بل تتراكم لتنتج واقعًا مغلقًا: إدارة أزمة بلا نهاية. فتعثر توسيع التحالفات، وفشل الحسم العسكري، واستحالة السيطرة على الممرات الحيوية، وصعوبة الوصول إلى العناصر الحساسة أو التحكم بها، كلها تتحول من وقائع منفصلة إلى بنية واحدة تعيد إنتاج الاستنزاف نفسه. إن الوصول إلى قناعة عدم إمكانية الحسم العسكري النهائي يفتح الباب على احتمالين يسيران بخطين متوازيين: كسب الوقت للإعداد للجولة القادمة، أو إنجاز بالحوار ما عجزت عنه القوة.
وفي هذا الإطار، تُقرأ العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفها إدارة مستمرة لتوازنات على حافة الانفجار، حيث لم يعد القرار مرتبطًا بالأهداف العسكرية وحدها، بل بقدرة النظام الإقليمي على تحمل نتائج تلك الأهداف دون الانزلاق إلى فوضى أوسع من القدرة على السيطرة. وكلما اتسعت فجوة الإخفاق بين الهدف والنتيجة، كلما تبيّن أن القوة تعمل داخل حدودها لا خارجها.
ومن هنا، تُستحضر القنبلة GBU-39 لا كعنصر حسم، بل كمرآة مشوهة لطريقة التفكير داخل بعض الخطابات، حيث يُختزل التعقيد الهائل في رمز واحد، بينما تبقى البنية الحقيقية للصراع قائمة كشبكة ممتدة من الإخفاقات والتوازنات والانسدادات التي لا تنتج نهاية، بل تعيد إنتاج نفسها.
في هذه القراءة، لا تظهر التهدئة بين إسرائيل وحزب الله، ولا التحولات في الملف الإيراني، كقرارات منفصلة أو نتائج مباشرة لأحداث معزولة، بل كحصيلة صراع طويل بين مشاريع متناقضة تصطدم بحدودها في كل مرة، وواقع إقليمي يفرض قيودًا صارمة على أي محاولة للسيطرة النهائية. وفي قلب هذا المشهد، لا تتراكم الإخفاقات كأحداث عابرة يمكن تجاوزها، بل كقوة بنيوية تعيد تشكيل قواعد الاشتباك نفسها: في التحالفات، في الحسم العسكري، في السيطرة على الممرات الاستراتيجية، وفي إدارة الملفات النووية الحساسة
ومن داخل هذا الانسداد، لا تولد التهدئة بوصفها خيارًا حرًا، بل كاستجابة اضطرارية لواقع يفرض نفسه على الجميع، حيث تتآكل قدرة القوة على فرض نتائجها، وتتحول إلى أداة لإدارة العجز بدل تجاوزه. وهنا، لا تعود السرديات التفسيرية—بما فيها استدعاء GBU-39—مجرد محاولات للفهم، بل تتحول إلى غطاء لغوي لإخفاء فجوة تتسع بين ما يُعلن وما يتحقق.
وفي النهاية، لا يقف المشهد عند حدود هدنة أو جولة مفاوضات، بل يكشف عن معادلة أكثر قسوة: صراع لا يُحسم، وقوة لا تنتصر بالكامل، وخطاب يزداد صلابة كلما ازداد الواقع انكشافًا. إنها لحظة يتراجع فيها الحسم إلى الخلف، ويتقدم الاستنزاف ليصبح هو القاعدة، لا الاستثناء، بينما تستمر الأطراف في إعادة إنتاج نفس الأدوات، داخل نفس القيود، وبالنتائج ذاتها.

