الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:47 AM
الظهر 12:39 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:13 PM
العشاء 8:32 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

من راتب لا يكفي… إلى أمر حبس: كيف وصلنا إلى هنا؟

الكاتب: د. سعيد صبري

لم يعد القلق لدى المواطن الفلسطيني مقتصرًا على تأخر الراتب في نهاية الشهر، أو وقوفه مذهولاً أمام أسعار السلع التي تقفز بلا هوادة. لقد امتد القلق ليطال شيئًا أعمق وأكثر قسوة: الخوف من أن يتحول الدين—الذي استدانه ليبقى على قيد الحياة—إلى تهديد مباشر لحريته. في اقتصاد تتآكل فيه الرواتب وتتصاعد فيه كلفة المعيشة، لم يعد الدين خيارًا ماليًا يُدرس في ميزانية العائلة، بل أصبح مسارًا شبه حتمي، ينتهي في كثير من الحالات الكارثية عند أبواب المحاكم وغرف التوقيف.
تبدأ القصة، كما تبدأ كل أزماتنا، من الراتب. راتب لا يصل كاملًا، أو يصل متأخرًا بأيام وأسابيع، أو حتى إذا وصل في موعده وبقيمته المنقوصه ، فإنه بالكاد يغطي نصف الاحتياجات الأساسية. في المقابل، ترتفع الأسعار بشكل جنوني، خاصة في ثلاثية البقاء: الطاقة، والنقل، والغذاء. هنا تتشكل فجوة مالية شهرية حقيقية، فجوة لا يمكن تجاهلها أو تأجيلها بقرار عائلي، لأنها ترتبط بأساسيات العيش. ومع غياب بدائل حقيقية للدخل، يصبح الدين هو الأداة الوحيدة المتاحة لسد هذه الفجوة المفتوحة.
لكن الدين في هذا السياق المشوه لم يعد أداة للتوسع التجاري أو الاستثمار أو حتى تحسين جودة الحياة، بل أصبح وسيلة وحيدة للبقاء. المواطن لا يقترض ليشتري سيارة أحدث أو ليوسع منزله، بل يقترض ليدفع قسط مدرسة، أو ليشتري دواءً، أو ليغطي فاتورة كهرباء تهدد بقطع التيار عن أطفاله. ومع تكرار هذا النمط الإجباري شهرًا بعد شهر، يتحول الدين من حالة طوارئ مؤقتة إلى نمط حياة دائم، وتتراكم الالتزامات تدريجيًا وبصمت، إلى أن يجد الفرد نفسه قد وصل إلى حافة الهاوية: نقطة التعثر.
ولفهم حجم هذه الظاهرة المرعبة، لا نحتاج للبحث في نظريات الاقتصاد المعقدة، تكفي نظرة واحدة إلى بيانات الشيكات في السوق الفلسطيني. تشير أرقام سلطة النقد الفلسطينية إلى تداول نحو 5.7 مليون شيك سنويًا، منها أكثر من 600 ألف شيك مرتجع. هذا الرقم الضخم لا يعكس فقط عدد حالات التعثر الفردية، بل يكشف عن مستوى هيكلي ومرتفع من الاختلال في القدرة العامة على السداد. وعند ترجمة هذا الرقم إلى لغة المال، فإننا نتحدث عن ما يقارب 2 مليار دولار من الشيكات المرتجعة سنويًا—أي نحو 7 إلى 8 مليارات شيكل تحولت إلى أوراق بلا رصيد.
هذه ليست مجرد أرقام مالية تُتداول في النشرات الاقتصادية، بل هي مؤشرات صارخة على فجوة سيولة حقيقية تخنق الاقتصاد. أموال مسجلة على الورق وتُبنى عليها آمال تجارية، لكنها في الواقع غير قابلة للتحصيل. وهذا بدوره يؤدي إلى انتقال الأزمة من مستواها الاقتصادي البحت إلى المستوى القانوني الجاف، حيث تتحول الشيكات المرتجعة إلى قضايا تنفيذية في المحاكم، وتدخل في مسار قضائي آلي قد ينتهي—وغالباً ما ينتهي—بأوامر حبس.
وهنا تظهر المرحلة الأخطر في هذا المسار. فالتقديرات تشير إلى مئات آلاف أوامر الحبس المرتبطة بالديون والشيكات المرتجعة خلال السنوات الأخيرة. صحيح أن هذا الرقم يعكس عدد الأوامر الصادرة وليس بالضرورة عدد الأشخاص القابعين خلف القضبان، لكن دلالته تبقى عميقة ومخيفة: نحن أمام ظاهرة مجتمعية واسعة، وليست حالات فردية معزولة لسوء الإدارة المالية. في مجتمع بحجم الاقتصاد الفلسطيني، تعني هذه الأرقام أن شريحة كبيرة من المواطنين—آباء وأمهات وشباب—تعيش تحت تهديد قانوني مباشر ويومي.
السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا بجرأة ليس فقط: لماذا تعثر المواطن؟ بل: كيف وصل إلى هذه المرحلة المأساوية؟ هل المشكلة تكمن في سلوك الأفراد واستهلاكهم غير المنضبط، أم في البيئة الاقتصادية الطاردة التي دفعتهم قسراً إلى هذا المسار؟
من السهل والمريح إلقاء اللوم على المواطن، واعتبار الاستدانة خيارًا غير محسوب أو سوء تدبير. لكن الواقع اليومي يشير إلى عكس ذلك تماماً. فالمواطن الذي يقترض لتغطية احتياجات أساسية—كالغذاء، والمواصلات، والتعليم—لا يمارس ترفًا ماليًا، بل يتعامل مع واقع اقتصادي ضاغط لا يرحم. وعندما لا يكفي الراتب لتغطية هذه الاحتياجات الحيوية، يصبح الدين ضرورة قاهرة، وليس خيارًا يمكن تجنبه.
نحن، إذن، أمام مسار اقتصادي متكامل ومأساوي يبدأ براتب لا يكفي لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات، ما يدفع المواطن مرغماً إلى اللجوء للدين كخيار اضطراري، ثم يتراكم هذا الدين ككرة ثلج مع مرور الوقت ليضعف القدرة على السداد، فتبدأ حالات التعثر بالظهور، وتتحول الالتزامات المالية إلى شيكات مرتجعة، تدخل بدورها في المسار القانوني كقضايا تنفيذية، لتنتهي في كثير من الحالات بأوامر حبس تسلب المواطن حريته بعد أن سلبته الأزمة ماله.
ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة المدمرة على الأفراد المتعثرين وعائلاتهم فقط، بل يمتد كعدوى إلى المجتمع والاقتصاد ككل. فعندما ترتفع معدلات التعثر، تتراجع الثقة في أدوات الدفع الأساسية، خاصة الشيكات، وتزداد تكلفة التعاملات التجارية نتيجة للمخاطر العالية، ويتباطأ النشاط الاقتصادي برمته. كما يؤدي الضغط المالي المستمر والتهديد بالحبس إلى ارتفاع مستويات القلق وعدم الاستقرار الأسري، ويضرب النسيج الاجتماعي في مقتل.
وإذا كان هذا المسار الاقتصادي القاسي يقود المواطن من راتب لا يكفي إلى دين متراكم، ثم إلى تعثر ومسار قانوني ينتهي بالحبس، فإن معالجته لا يمكن أن تتم عبر قاعات المحاكم والأدوات القانونية وحدها. الأزمة تتطلب تدخلًا اقتصاديًا منظمًا وشجاعًا يعالج جذور المشكلة لا أعراضها. وفي هذا السياق، يجب أن تتحرك الحكومة عبر خطوات ملموسة، تبدأ بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام لضمان انتظام دفع الرواتب كاملة، باعتبارها حجر الأساس للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. كما يتطلب الأمر العمل الجاد على تخفيف العبء عن القطاعات الأكثر تأثرًا، خاصة من خلال مراجعة السياسات الضريبية على المحروقات والنقل، لما لها من أثر فوري ومباشر على تكلفة المعيشة اليومية.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى تطوير آليات مالية وقانونية مرنة للتعامل مع حالات التعثر، مثل توسيع برامج إعادة جدولة الديون المتعثرة، وتعزيز التسويات الودية بين الدائنين والمدينين، بما يخفف من انتقال الأزمات المالية إلى المسار القضائي الصارم. كما أن تعزيز ثقافة الشمول المالي المسؤول، وضبط أدوات الائتمان الاستهلاكي، يمكن أن يسهم في تقليل مخاطر التوسع غير المنضبط في الدين.
وفي المدى الأبعد، تبقى المعالجة الحقيقية والوحيدة مرتبطة بإعادة التوازن المفقود بين الدخل وتكلفة الحياة، من خلال تحفيز الإنتاج المحلي، ودعم القطاعات الاقتصادية الحيوية، وخلق فرص عمل مستدامة. هذا التوازن هو ما يعيد للدخل وظيفته الأساسية والطبيعية: أن يكون وسيلة للعيش الكريم، لا مدخلًا إلى دائرة مفرغة من الدين والقلق والمحاكم.
إن حماية المواطن من السقوط في فخ الدين المظلم ليست مسؤولية فردية تُلقى على عاتقه وحده، بل هي مسؤولية سياسات اقتصادية شاملة… تبدأ من الراتب، وتنتهي بحماية الكرامة.

بقلم: د. سعيد صبري
مستشار اقتصادي دولي، وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...