الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:44 AM
الظهر 12:39 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:14 PM
العشاء 8:33 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

نقطة ضوء.. وطنٌ مُنهَك

الكاتب: د. عدنان ملحم

هذا الوطن، لا تصرخ المآسي فيه، بل تمشي بين الناس بهدوءٍ مُرّ، وتتخفّى في تفاصيل الأيام الصغيرة؛ في نظراتٍ مُثقَلة لا تُقال، وفي جيوبٍ خفيفة لا تُرى، وفي قلوبٍ تحمل ما يفوق قدرتها على الاحتمال. هنا، لا تأتي المعاناة على هيئة صدماتٍ صاخبة، بل تتسلّل كظلٍ ثقيل يلازم الناس في طرقاتهم، وفي أعمالهم، وفي صمتهم الطويل. كلّ شيء يبدو عاديًا من الخارج، لكن تحت هذا الهدوء تنبض حكاياتٌ موجعة، تختصر وطنًا يعتاد ألمه… ويواصل السير.

على مفرق بزاريا، يقف شرطيٌّ أنيق، لا يملك في جيبه سوى خمسة عشر شيكلًا، يحاول أن يصل إلى أمّه الممدّدة على سرير الشفاء. كان الطريق أطول من قدرته، والهمّ أثقل من جيبه، حتى ساقنا التعارف العابر إلى أن نختصر المسافة. شكرني بكلماتٍ خجولة: «وفّرت عليّ جهد تأمين أجرة العودة إلى أسرتي هناك»… ومضى، كأن شيئًا لم يكن؛ إلا أن شيئًا في هذا البلد لم يعد كما كان.

وفي زاويةٍ أخرى من الحكاية، شابٌّ في جهازٍ أمني يشتري قطع لحمٍ متفرقة بعشرين شيكلًا ليصنع «قلاية العيد»، ويختصر فلسفة البقاء بعبارةٍ موجعة: «على قد فراشك مدّ رجليك».

أما ذاك الذي وقف على باب بنكٍ يرجو سلفةً لا تتجاوز خمسين شيكلًا من راتبٍ لم يصل بعد، فلم يكن عاطلًا ولا مهمّشًا، بل رجل أمنٍ يحمل على كتفيه ما يفوق طاقته، ويخفي انكساره.

ثم تأتي حكاية الشهيد الشرطي إبراهيم، لتختصر وجع المشهد كلّه. شابٌّ في الرابعة والعشرين، كان يحلم بحياةٍ بسيطة، ببيتٍ دافئ، وبزفافٍ قريب. لم يكن ضعيفًا، لكنه كان مُثقلًا حتى الحافة. تراكمت الضغوط على كتفيه وقلبه، وتآكلت قدرته على الاحتمال، وغدا الصمت أخطر من الانفجار. وفي لحظةٍ واحدة، انفرط الداخل، وسقط الحلم، وارتفع السؤال: كم يحتمل الإنسان قبل أن ينهار؟ .

لم تعد هذه الوقائع حالاتٍ فردية، ولا يمكن دفنها في سردية «الاستثناء». نحن أمام واقعٍ عام من الإنهاك المعيشي والنفسي، يطال الجميع: الشرطي، المعلّم، الطبيب، الموظف، والعامل. كلّهم يدورون في الدائرة نفسها، يدفعون أثمان اختلالاتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ متراكمة، فيما تبقى كرامة الإنسان الحلقة الأضعف.

وفوق هذا كلّه، يقف احتلالٌ بغيض، لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل يسعى إلى تفكيك الإنسان من داخله؛ يريد الفلسطيني غريبًا عن جغرافيته، منقطعًا عن تاريخه، مُبعثرًا في قبائل متنازعة. يحاصره الخوف والجوع، ويزرع بينه الفرقة، ويطمح أن يراه بلا وطنٍ جامع، ولا قانونٍ عادل، ولا مشروعٍ يلمّ شتاته.

الأخطر من هذا الواقع هو غياب الصوت القادر على حمل المواطن: صوتٌ يمثّل الناس حقًا، يُسائل، ويحمي، ويعبّر. في ظل تراجع الأطر الوطنية والنقابية والمجتمعية والإعلامية والفكرية، يُترك الفرد وحيدًا في مواجهة أعبائه، ويصبح الانفجار — بأي صورةٍ كان — نتيجةً متوقعةً لا مفاجئة.

نحن بحاجةٍ إلى مراجعةٍ شجاعة تبدأ من الداخل قبل الخارج: عدالةٌ في توزيع الأعباء، وشفافيةٌ في اتخاذ القرار، وتواضعٌ في إدارة الشأن العام. وبحاجةٍ إلى خطابٍ وطنيٍّ صادق، لا يكتفي بمطالبة الناس بالصبر، بل يقدّم لهم ما يستحقونه من حلولٍ تمسّ حياتهم اليومية وكرامتهم.

ورغم هذا الثقل كلّه، تبقى للمجتمع مسؤوليته التي لا يجوز التخلّي عنها: أن نرى بعضنا بعمق، وأن نسند من يترنّح بصمت، وأن ندرك أن كثيرين يخفون وجعهم خلف ابتساماتٍ واهنة.

لعل هذه الحكايات، بكل ما فيها من قسوة، ليست نهاية الحكاية… بل بدايتها؛ بداية وعيٍ، إن تأخّر تكرّرت الخسارة، وإن حضر، ربما أنقذ ما تبقّى من هذا القلب المثقل باسم الوطن.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...