التحول نحو الطاقة الشمسية: بين من يبيع النظام ومن يتحمّل تبعاته
الكاتب: المهندس هشام العمري
التحول نحو الطاقة الشمسية
بين من يبيع النظام ومن يتحمّل تبعاته
رؤية تنظيمية وفنية في مسؤوليات شركة كهرباء محافظة القدس
يشهد قطاع الطاقة في فلسطين والمنطقة تحولاً متسارعاً نحو أنظمة الطاقة الشمسية والتخزين الكهربائي، انسجاماً مع التوجهات العالمية لتعزيز الاستدامة وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية. وهو تحول استراتيجي لا خلاف على ضرورته أو أهميته.
غير أن نجاح هذا التحول لا يتحقق عبر الشعارات أو الضغط الإعلامي أو التوسع غير المنضبط، بل من خلال إدارة فنية وتنظيمية دقيقة توازن بين تشجيع الاستثمار، وضمان استقرار الشبكة الكهربائية، وتحقيق العدالة بين جميع المشتركين.
وفي هذا السياق، تؤكد شركة كهرباء محافظة القدس دعمها المبدئي للتوسع المنظّم في مشاريع الطاقة الشمسية، باعتبارها شريكاً أساسياً في تنفيذ السياسات الوطنية للطاقة. إلا أن هذا الدعم لا يمكن فصله عن المسؤولية التشغيلية والقانونية الملقاة على عاتق شركات التوزيع، والتي تفرض التعامل الواقعي مع القدرات الفنية الفعلية للشبكات القائمة.
أولاً: تنبيه ضروري للرأي العام وصنّاع القرار
من المهم التمييز بوضوح بين النجاح التجاري لمطوّر أنظمة الطاقة الشمسية، وبين الاستدامة التشغيلية لمنظومة الكهرباء العامة.
فمطور النظام يبيع ويُركّب مشروعاً، وينتهي دوره عملياً عند حدود التشغيل الأولي، بينما تتحمل شركة التوزيع مسؤولية التوازن، والجودة، وسلامة الشبكة، واستمرارية الخدمة لكل المشتركين، وعلى مدار الساعة، ولسنوات طويلة قادمة.
إن أي خلط بين هذين الدورين، أو تحميل شركات التوزيع مسؤوليات ناتجة عن توسع غير مدروس، هو خلط خطير يهدد النظام الكهربائي برمته، ويقوّض الثقة في مسار التحول نحو الطاقة المتجددة.
ثانياً: طبيعة تصميم الشبكات الكهربائية القائمة
صُممت الشبكات الكهربائية الحالية تاريخياً وفق مبدأ تدفق الطاقة باتجاه واحد:
توليد ⬅️ نقل ⬅️ توزيع ⬅️ مستهلك.
وجميع مكونات الشبكة – من المحولات، والمغذيات، وأنظمة الحماية، والتحكم – بُنيت على هذا الأساس.
إن التوسع الواسع غير المدروس في التوليد الموزّع، الذي يقوم على تصدير الطاقة من مواقع الاستهلاك إلى الشبكة بعكس اتجاهها التقليدي، يُحدث تغييراً جذرياً في فلسفة التشغيل، وقد يترتب عليه، في حال غياب الضبط الفني، مخاطر حقيقية تشمل:
• اختلال مستويات الجهد،
• تحميل غير متوازن على المحولات،
• تعارض في أنظمة الحماية،
• مخاطر على سلامة الطواقم أثناء أعمال الصيانة،
• استمرار تغذية أجزاء من الشبكة رغم فصل المصدر الرئيسي.
وهذه ليست مخاوف نظرية، بل تحديات تشغيلية واقعية تتحمل شركات التوزيع وحدها تبعاتها.
ثالثاً: الفائض النهاري وانخفاض الأحمال
تبلغ أنظمة الطاقة الشمسية ذروة إنتاجها خلال ساعات الظهيرة، وهي في كثير من المناطق – خاصة السكنية – فترة انخفاض نسبي في الطلب. وعندما يتجاوز الإنتاج المحلي حجم الاستهلاك الفعلي، ينشأ فائض يُضخ عكسياً إلى الشبكة.
هذا الفائض غير المُدار قد يؤدي إلى:
• ارتفاع الجهد خارج الحدود المسموح بها،
• فصل متكرر لأنظمة الحماية،
• إجهاد المعدات وتقليص عمرها التشغيلي،
• تدهور جودة التغذية للمشتركين.
وفي الحالات المتقدمة، قد تُضطر شركات التوزيع إلى تنفيذ استثمارات طارئة ومكلفة لمعالجة اختلالات لم يكن مخططاً لها.
رابعاً: القدرة الاستيعابية تختلف من منطقة إلى أخرى
القدرة على استيعاب الطاقة الشمسية ليست واحدة في جميع المناطق، بل تتأثر بعوامل عديدة، منها:
• طبيعة الأحمال (سكنية، تجارية، صناعية)،
• سعات المحولات والمغذيات،
• أطوال الشبكات ومقاطعها،
• نمط الاستهلاك اليومي،
• الكثافة العمرانية.
فالمنطقة الصناعية ذات الطلب العالي نهاراً قد تستوعب قدرات شمسية أكبر، بينما قد تصل منطقة سكنية منخفضة الأحمال ظهراً إلى حدودها الفنية بسرعة.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى دراسات فنية لكل مغذٍ ولكل منطقة على حدى، بدلاً من تعميم قرارات موحدة تتجاهل الواقع الفني المتباين.
خامساً: صافي الفاتورة وعدالة احتساب الطاقة
تُعد آليات صافي الفاتورة من أكثر القضايا حساسية في النقاش العام، ومن المهم توضيح ما يلي:
• سعر شراء الطاقة من المشترك لا يساوي بالضرورة سعر بيعها له،
• الشبكة الكهربائية ليست مجرد سلك، بل منظومة متكاملة تقدم خدمات نقل وتوازن واحتياط جاهز،
• استخدام هذه المنظومة العامة له تكلفة تشغيل وصيانة واستثمار مستمرة.
وأي نموذج رشيد يجب أن يوازن بين تشجيع الطاقة المتجددة، وعدم تحميل بقية المشتركين أعباء غير مباشرة، والحفاظ على الاستدامة المالية لشركات التوزيع.
سادساً: التخزين الكهربائي وإدارة الأحمال
تشكل أنظمة التخزين فرصة حقيقية لإدارة الفائض النهاري وتحسين كفاءة استخدام الطاقة الشمسية، إذا أُدمجت ضمن إطار تنظيمي وفني محكم.
أما إدخالها دون ضوابط واضحة، فقد يخلق تحديات إضافية، خاصة عند الشحن أو التفريغ المتزامن على نطاق واسع.
سابعا :السلامة العامة :
إن الرقابة الرئيسية على الضبط الفني للمعدات ومكونات أنظمة الطاقة الشمسية والتخزين واعتمادها من قبل المؤسسات الوطنية للمواصفات تعتبر هي الخطوة الأولى لضمان جودة ومطابقة هذه الأنظمة للمواصفات المطلوبة، وبالتوازي مع ذلك فان عملية التركيب والفحص لهذه الأنظمة تعتبر خطوة ضرورية لحماية الأرواح والممتلكات سواء التابعة لمنشأة المشترك او شركة التوزيع. بناء على ذلك فان أي ربط يتم على الشبكة الكهربائية بدون تحقيق هذه المتطلبات يؤدي الى الكثير من المشاكل واهمها:
• عدم وجود الحمايات اللازمة لفصل النظام في حال حصول اي خلل وبالتالي تلف المعدات واحتراقها وتعريض المشتركين للخطر.
• حدوث حالات تكهرب نتيجة وجود معدات غير متعمدة وغير مفحوصة.
• التأثير السلبي على المشتركين المجاورين لهذه الأنظمة وحصول تلف غير متوقع في الأجهزة الكهربائية او احتراقها او انقطاعات غير مبررة على الشبكة.
• صعوبة السيطرة على أية حرائق ناجمة عن تلف هذه الأنظمة من قبل جهات الدفاع المدني.
ثامنا: الأنظمة غير المربوطة بالشبكة
لا تعارض شركة كهرباء محافظة القدس إنشاء أنظمة شمسية مستقلة غير مربوطة بالشبكة، طالما أنها لا تضخ طاقة إليها ولا تعتمد عليها كمصدر احتياطي.
أما عند وجود ارتباط فعلي أو محتمل بالشبكة، فإن الشركة تصبح ملزمة قانونياً وفنياً بحماية استقرار المنظومة العامة.
تاسعا: من يتحمّل المسؤولية؟
المطوّر مقابل شركة التوزيع
يمثل غياب الفصل الواضح بين دور مطوّر أنظمة الطاقة الشمسية ودور شركات التوزيع أحد أخطر أوجه التضليل في النقاش الدائر حالياً.
فالمطوّر ليس جهة تشغيل شبكة، ولا يتحمّل التزامات طويلة الأمد، بينما تتحمل شركة التوزيع مسؤولية:
• استقرار الشبكة،
• استيعاب الطاقة المصدّرة،
• توفير البديل الفوري عند غياب التوليد،
• تحمّل المسؤولية القانونية عن أي خلل.
وعليه، فإن تقييم التوسع في الطاقة الشمسية لا يمكن أن يُبنى على عدد الأنظمة المركبة أو حجم الاستثمارات فقط، بل على القدرة الفنية الحقيقية للشبكات والتزاماتها التشغيلية المستمرة.
الخلاصة
التحول نحو الطاقة الشمسية خيار استراتيجي لا رجعة عنه، وشركة كهرباء محافظة القدس شريك أساسي في إنجاحه.
غير أن الشبكات القائمة لم تُصمَّم لتدفقات عكسية واسعة غير منضبطة، والتنظيم الفني ليس عائقاً أمام الطاقة المتجددة، بل الضامن الحقيقي لاستدامتها، ولسلامة الشبكة، ولعدالة الخدمة.
فمن يبيع النظام ليس هو من يتحمّل تبعاته.
والتحول الطاقي ليس سباقاً إعلامياً، بل عملية هندسية واقتصادية ومسؤولية وطنية طويلة الأمد.
المهندس هشام العمري
رئيس مجلس إدارة شركة كهرباء محافظة القدس

