إساءة نتنياهو للسيد المسيح وللمسيحيين
الكاتب: د. محمد عودة
ضمن قراءة معمقة لبعض النصوص في أسفار التلمود وكيف تصف بني إسرائيل يمكن الخلوص إلى نتيجة مفادها أن أي ذرائع يستخدمها الصهاينة لا تعدو كونها ذرًّا للرماد في العيون، فالنصوص ذات العلاقة تؤكد أن قادة إسرائيل نموا في بيئة هذه النصوص، وبالتالي فالإجرام والقتل والانحراف، كلها وردت في النصوص التي سترونها في سياق هذا المقال، صحيح أن الحركة الصهيونية تستغل أي ظرف للتبرير أمام الحلفاء من الأغيار، أما الصهاينة فأوصاف التلمود تنطبق عليهم بكل ما تعنيه الكلمة، فويل لقادة إسرائيل كما جاء في حزقيال، ويل لرعاة إسرائيل الذين كانوا يرعون أنفسهم.
ورد في سِفر إشعيا: "اسْمَعُوا سَمْعًا وَلاَ تَفْهَمُوا، وَأَبْصِرُوا إِبْصَارًا وَلاَ تَعْرِفُوا. غَلِّظْ قَلْبَ هذَا الشَّعْبِ وَثَقِّلْ أُذُنَيْهِ وَاطْمِسْ عَيْنَيْهِ..." (إشعيا 6: 9–10)، ويقول أيضًا: "اِسْمَعُوا أَيُّهَا الصُّمُّ، وَانْظُرُوا أَيُّهَا الْعُمْيُ لِتُبْصِرُوا..." (إشعيا 42: 18–20)، ثم تتسع الصورة لتطال البنية الاجتماعية: "رُؤَسَاؤُكِ عُصَاةٌ وَشُرَكَاءُ لُصُوصٍ..." (إشعيا 1: 23)، و"وَالْحَقُّ قَدْ سَقَطَ فِي الشَّارِعِ وَالِاسْتِقَامَةُ لاَ تَسْتَطِيعُ الدُّخُولَ" (إشعيا 59: 14). أما في صفنيا حيث تظهر صورة أكثر حدّة: "رُؤَسَاؤُهَا فِي وَسَطِهَا أُسُودٌ زَائِرَةٌ، قُضَاتُهَا ذِئَابُ مَسَاءِ..." (صفنيا 3: 3).
أما في سِفر ميخا يتجاور الوصف الأخلاقي مع المشهد العمراني: "أَنْتُمُ الْمُبْغِضُونَ لِلْخَيْرِ وَالْمُحِبُّونَ لِلشَّرِّ..." (ميخا 3: 2)، و"الَّذِينَ يَبْنُونَ صِهْيَوْنَ بِالدِّمَاءِ وَأُورُشَلِيمَ بِالظُّلْمِ" (ميخا 3: 10)، أما إرميا فتذهب بعيدًا وعميقًا في وصف شعب إسرائيل حيث ورد النص كما يلي: "شَعْبٌ جَاهِلٌ وَغَيْرُ مُفْهِمٍ، لَهُمْ عُيُونٌ وَلاَ يُبْصِرُونَ..." (إرميا 5: 21)، ثم تتجسد في مشهد مكاني: "هَلْ صَارَ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي دُعِيَ بِاسْمِي عَلَيْهِ مَغَارَةَ لُصُوصٍ" (إرميا 7: 11).
يربط سفر هوشع الأفعال بالنتائج فيقول عن بني إسرائيل: "شَعْبِي هَلَكَ مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ..." (هوشع 4: 6)، و"يَزْرَعُونَ الرِّيحَ فَيَحْصُدُونَ الزَّوْبَعَة" (هوشع 8: 7)، أما في سفر حزقيال فتذهب بعض النصوص إلى التهديد: يَا ابْنَ آدَمَ، تَنَبَّأْ عَلَى رُعَاةِ إِسْرَائِيلَ. تَنَبَّأْ وَقُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ لِلرُّعَاةِ: وَيْلٌ لِرُعَاةِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا يَرْعَوْنَ أَنْفُسَهُمْ! أَلاَ يَنْبَغِي لِلرُّعَاةِ أَنْ يَرْعَوْا الْغَنَمَ؟ تَأْكُلُونَ الشَّحْمَ وَتَلْبَسُونَ الصُّوفَ، وَتَذْبَحُونَ السَّمِينَ، وَالْغَنَمَ لاَ تَرْعَوْنَ، فالضَّعِيفَةَ لَمْ تُقَوُّوا، وَالْمَرِيضَةَ لَمْ تَعْصِبُوا، وَالْمَجْرُوحَةَ لَمْ تَجْبُرُوا، وَالْمَطْرُودَةَ لَمْ تَسْتَرِدُّوا، وَالضَّالَّةَ لَمْ تَطْلُبُوا، بَلْ بِقَسْوَةٍ تَسَلَّطْتُمْ عَلَيْهَا." فَصَارَتْ عَلَيْهِمْ عُرُوقٌ وَلَحْمٌ وَبُسِطَ عَلَيْهِمْ جِلْدٌ مِنْ فَوْقٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِمْ رُوحٌ" (حزقيال 37: 8)".
أسفار أخرى ليست ببعيدة عن هذا الجوهر الذي يوضح بلا لبس طبيعة بني إسرائيل، فسفر دانيال يشبه الإمبراطوريات بالحيوانات حيث يقول: وَصَعِدَتْ مِنَ الْبَحْرِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ عَظِيمَةٌ، مُخْتَلِفَةٌ هذِهِ عَنْ تِلْكَ، الأَوَّلُ كَأَسَدٍ وَلَهُ جَنَاحَا نَسْرٍ... ثُمَّ نُزِعَتْ أَجْنِحَتُهُ، وَرُفِعَ عَنِ الأَرْضِ، وَأُوقِفَ عَلَى رِجْلَيْنِ كَإِنْسَانٍ، وَأُعْطِيَ قَلْبُ إِنْسَانٍ. وَإِذَا حَيَوَانٌ آخَرُ ثَانٍ شَبِيهٌ بِدُبٍّ... وَقَدْ أُقِيمَ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَفِي فَمِهِ ثَلاَثُ أَضْلُعٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ، وَقِيلَ لَهُ: قُمْ كُلْ لَحْمًا كَثِيرًا، بَعْدَ هذَا، كُنْتُ أَنْظُرُ، وَإِذَا آخَرُ كَنَمِرٍ، وَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةِ طَائِرٍ... وَلِهذَا الْحَيَوَانِ أَرْبَعَةُ رُؤُوسٍ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانٌ، بَعْدَ هذَا كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ، وَإِذَا حَيَوَانٌ رَابِعٌ مُخِيفٌ وَقَوِيٌّ وَشَدِيدٌ جِدًّا... وَيَخْتَلِفُ عَنِ الْبَقِيَّةِ، وَلَهُ أَسْنَانُ حَدِيدٍ، وَيَأْكُلُ وَيَسْحَقُ وَيَدُوسُ الْبَاقِيَ بِرِجْلَيْهِ... (دانيال 7: 3)".
سِفر زكريا يتبنى نظرية أن الرب أرسل الملائكة لتقوم بدور بني إسرائيل: "رَأَيْتُ فَإِذَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى فَرَسٍ أَحْمَرَ، وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ الْآسِ وَرَاءَهُ خَيْلٌ حُمْرٌ وَشُهْبٌ وَبِيضٌ. فَقُلْتُ: مَا هؤُلاَءِ يَا سَيِّدِي؟ فَقَالَ لِي الْمَلاَكُ الَّذِي كَلَّمَنِي: أَنَا أُرِيكَ مَا هؤُلاَءِ، فَأَجَابَ الرَّجُلُ الْوَاقِفُ بَيْنَ الْآسِ وَقَالَ: هؤُلاَءِ هُمْ الَّذِينَ قَدْ أَرْسَلَهُمُ الرَّبُّ لِيَسِيرُوا فِي الأَرْضِ، فَأَجَابُوا مَلاَكَ الرَّبِّ الْوَاقِفَ بَيْنَ الْآسِ وَقَالُوا: قَدْ سِرْنَا فِي الأَرْضِ، وَإِذَا الأَرْضُ كُلُّهَا مُسْتَرِيحَةٌ وَهَادِئَةٌ." (زكريا 1: 8).
سِفر ملاخي يرى أن بني إسرائيل ضلوا الطريق، ورد بالنص: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَقَدْ حِدْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ، أَعْثَرْتُمْ كَثِيرِينَ فِي الشَّرِيعَةِ، فَأَفْسَدْتُمْ عَهْدَ لاَوِيَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. فَأَنَا أَيْضًا جَعَلْتُكُمْ مُحْتَقَرِينَ وَوَضِيعِينَ عِنْدَ كُلِّ الشَّعْبِ، كَمَا لَمْ تَحْفَظُوا طُرُقِي، وَرَاعَيْتُمْ وَجْهَ الشَّرِيعَةِ." (ملاخي 2: 8).
سِفر الجامعة يرى أن بني إسرائيل منغمسون في الباطل فيقول: "بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، قَالَ الْجَامِعُ، بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ. لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ، رَأَيْتُ جَمِيعَ الأَعْمَالِ الَّتِي عُمِلَتْ تَحْتَ الشَّمْسِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ."، أما سِفر التثنية فيرى أن بني إسرائيل شعب بلا رأي: "شَعْبٌ عَدِيمُ الرَّأْيِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ فَهْمٌ، لَيْتَهُمْ كَانُوا حُكَمَاءَ لِيَفْهَمُوا هذَا، لِيَعْقِلُوا آخِرَتَهُمْ، كَيْفَ يَطْرُدُ وَاحِدٌ أَلْفًا، وَاثْنَانِ يُهْزِمَانِ رَبْوَةً، إِنْ لَمْ يَبِعْهُمْ صَخْرُهُمْ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْهُمْ الرَّبُّ..." (تثنية 32: 28).
تأتي إساءة نتنياهو للسيد المسيح بوصفها تجسيدًا مباشرًا لنصوص تلمودية تصف الصهيونية التي انعجنت داخلها شخصية بيبي نتنياهو وبقية قادة إسرائيل إلا من رحم ربي، وليس اقتباسًا عابرًا من كتاب دروس في التاريخ، حيث صدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرأي العام بتبنيه العلني لفلسفة "البقاء للأقوى" على حساب القيم والأخلاق، ففي كلمة متلفزة ليل الخميس إلى الجمعة 19/آذار 2026، استشهد نتنياهو بفقرة من كتاب دروس التاريخ للمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت، تقول إنه "ليس للمسيح أفضلية على جنكيز خان"، في إشارة عُدَّت تبريرًا صريحًا لسياسات القتل والعدوان وتهميشًا كاملًا لمبادئ العدالة والاعتدال، حيث قال نتنياهو: "في هذا العالم، أنت تحتاج إلى القوة، وليس للقيم ولا للحق مكان". وعليه، فإن السؤال لا يُطرح بوصفه احتمالًا، بل بوصفه مفترقًا حاسمًا: هل ما صدر عن نتنياهو امتداد لقراءة تاريخية كما وردت في كتاب دروس التاريخ، أم أنه تعبير عملي عن بنية فكرية أعمق متجذرة في النصوص التلمودية الواردة في أسفارهم؟ بمعنى أن نتنياهو في طبعه كل ما ورد في الوصف المتكرر في كل هذه الأسفار وأصحاحاتها ولم يكن بحاجة إلى أي اقتباس.
ولكي أكون منصفًا إلى أقصى حد ممكن فان المسيح والمسيحيين بريئين من نتنياهو وترامب الذين يتطابقان في الفكر والعقيدة والمسلك ، نتنياهو كعنوان حقيقي للحركة الصهيونية التي أسسها ملحد لا يعترف بالله وبرر أهدافها بأنها وعد إلهي، ودونالد ترامب كعنوان لفئة ضالة ومنحرفة تدعي أنها تمثل المسيحيين الايفانجيليين ، وكل المسيحيين في العالم بما فيهم الايفانجيليين منه براء، فنتنياهو وترامب يعتقدان أنهما بالأكاذيب وبالعدوان يستطيعان رسم البشرية على مقاس( (Leslie Herbert Wexner) جيفري إبستين)، (غيلين ماكسويل) وأسماء كثيرة لسنا بصدد ذكرها، البشرية فيها حماة للقيم والمبادئ والأخلاق، وسيفشلون ثلة قليلة صاغت كل انحرافاتها في ليتل سانت جيمس

