الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:42 AM
الظهر 12:39 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:16 PM
العشاء 8:35 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

ٱلْعُدْوَانُ بِكُلِّ أَشْكَالِهِ يَظَلُّ غَيْرَ قَابِلٍ لِلتَّبْرِيرِ

الكاتب: د. محمد عودة

حديث نتنياهو، في معرض الإساءة إلى السيد المسيح، عن أن القوة هي الحل، ولا مكان للقيم والأخلاق ولا حتى للحقوق، لا يمكن قراءته بوصفه زلة لسان عابرة أو اقتباسًا عابرًا من كتاب تاريخ، بل هو تعبير مكثف عن بنية فكرية ترى العالم من زاوية القوة لا القيمة، ومن زاوية الغلبة لا العدالة. وهذه البنية، حين تُفكك، لا تنفصل عن سؤال أعمق وأخطر: كيف استطاع الإنسان، عبر التاريخ، أن يمنح العنف شرعية، وأن يكسو القتل بغطاء أخلاقي؟

ليست الحروب ذاتها هي أكثر ما يثير الدهشة، فالتاريخ مليء بالقتل والدمار وسقوط المدن واندثار الأجيال، لكن المدهش حقًا هو تلك القدرة العجيبة لدى الإنسان على اختراع مبرر أخلاقي للوحشية. القتل في صورته العارية فعل قبيح لا يحتاج إلى كثير من الجدل لإدانته، لكن ما إن يُغلف بنشيد، أو يُرفع فوقه علم، أو يُسنّ له قانون، أو يُربط بقضية تاريخية، أو (وهنا تبلغ المفارقة ذروتها) يُربط بإله، حتى يتحول فجأة من جريمة إلى "مهمة"، ومن مذبحة إلى "واجب"، ومن فوضى دموية إلى مسرح كبير تُعرض عليه مسرحية الحضارة.

في هذا المسرح، لا تختفي الجريمة، بل يُعاد تعريفها؛ فهناك من يسمي الحرب عدوانًا، وهناك من يسميها دفاعًا مشروعًا عن النفس، وهناك من يربطها بحقوق الإنسان، وهناك من يلحقها بالأمن القومي، وهناك من يصرخ: إبادة جماعية، وآخر يرد: تمهلوا في استخدام المصطلحات. وبين هذا الضجيج اللغوي، وبين هذه المبارزات الاصطلاحية، يظهر الواقع عاريًا تحت الركام: طفل بلا والدين، وأم بلا أبناء، وشيخ يحدق في السماء كأنه ينتظر تفسيرًا لن يأتي.

وهنا يبرز السؤال الذي يحاول الجميع القفز فوقه: من الذي يقرر متى تكون الحرب قانونية؟ هل هي المؤسسات الدولية؟ أم القوى الكبرى؟ أم المنتصرون الذين يكتبون الرواية؟ أم أولئك الذين يملكون حق النقض، أو القنابل، أو ببساطة القدرة على صياغة خطاب إعلامي مقنع؟ إن الحديث عن "حروب قانونية" يكاد يبدو سخرية سوداء، وكأن القتل يمكن أن يكتسب مسحة من اللياقة لمجرد أنه أُدرج في نص قانوني أو غُلّف بمصطلح دبلوماسي.

صحيح أن هناك معاهدات واتفاقيات وبروتوكولات، وصحيح أن الحرب — نظريًا — تخضع لقواعد تتحدث عن التناسب وحماية المدنيين والأهداف العسكرية، لكن المشكلة أن الحرب الحقيقية لا تجري على الورق، بل في اللحم والدم. وحين يتناثر اللحم، يصبح الخطاب القانوني، بكل أناقته، أقرب إلى الفجائع منه إلى العدالة.

غير أن كل هذا لا يمثل سوى نصف الصورة؛ النصف الآخر، وربما الأخطر، هو الدين. فالدين، حين يُستدعى في سياق الصراع، لا يكتفي بمنح الحرب شرعية، بل يمنحها قدسية. وهنا لا يعود القتل مجرد وسيلة، بل يتحول إلى فعل يُمارس بضمير مرتاح، بل وبقناعة أخلاقية. فالحرب من أجل الأرض قاسية، ومن أجل السلطة بائسة، أما حين تُخاض باسم الله، فإنها تتحول إلى واجب، والمشاركة فيها فضيلة.

في هذه الحالة، لا يعود الخصم مجرد خصم، بل يصبح كافرًا، أو زنديقًا، أو نجسًا، أو تجسيدًا للشر ذاته. وعندما يتحول الآخر إلى إساءة للسماء، تنتفي الحاجة إلى الإقناع، ويُستبدل النقاش بالإبادة. عندها لا يُقتل بدافع الطموح، بل بدافع الواجب، ولا تُرتكب المجازر في الخفاء، بل تُرتكب وهي مغطاة بالدعاء ومصحوبة بشعور خفي بالتفوق الأخلاقي.

كل طرف يملك إلهه، وكل جيش يملك بركته، وكل متعصب يعتقد أن السماء، بين مجرة وأخرى، قد قررت أن تنحاز إلى خندقه. وهنا تبلغ المفارقة أقصاها: يُستدعى الإله لتبرير نزاع، بينما جوهر النزاع في الأصل صراع على معنى إنسانيتنا.

في هذا السياق، لا تبدو تصريحات نتنياهو عن "البقاء للأقوى" خروجًا عن المألوف، بل انسجامًا تامًا مع هذا المنطق. حين يُقال إن "ليس للمسيح أفضلية على جنكيز خان"، فإن المسألة لا تتعلق بالمقارنة التاريخية بقدر ما تتعلق بإعادة تعريف القيمة نفسها: القوة هي المعيار، وما عداها تفاصيل قابلة للتجاوز.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت هذه التصريحات مستمدة من كتاب تاريخ أم لا، بل بما إذا كانت تعكس بنية فكرية أعمق ترى في القوة مصدر الشرعية الوحيد؛ بنية لا تحتاج إلى نص لتبرير نفسها، لأنها متجذرة في رؤية للعالم تعتبر أن الغلبة تُنتج الحق، لا العكس.

وفي مواجهة هذا المنطق، لا يكفي الاحتجاج الأخلاقي المجرد، لأن المشكلة لا تكمن في غياب القيم، بل في القدرة على إعادة تعريفها بما يخدم القوة. وهنا يصبح التحدي الحقيقي: كيف يمكن استعادة المعنى الإنساني للعدالة في عالم يتقن تحويل المجازر إلى "ضرورات"، والقتل إلى "واجب"، والحرب إلى "حق مشروع"؟

هذا هو السؤال الذي يبقى معلقًا، بينما تستمر الحروب، لا لأنها لا تجد من يوقفها، بل لأنها تجد دائمًا من يبررها.

في نهاية المطاف، لم يعد التاريخ مجرد سردٍ لانتصارات وهزائم، بل سجلًّا دامغًا على لحظاتٍ انهار فيها الإنسان أخلاقيًا انهيارًا كاملًا؛ لحظاتٍ لم يعد فيها السؤال: من انتصر؟ بل: كيف سُمح لهذا أن يحدث أصلًا؟ من الهولوكوست إلى قصف هيروشيما وناغازاكي، مرورًا بـ مجزرة سربرنيتسا والإبادة الجماعية في رواندا، وصولًا إلى حروب حديثة مثل حرب أفغانستان وحرب العراق والحرب الأهلية الليبية، وما رافقها من تدخلات كغزو غرينادا وغزو بنما، وصولًا إلى مآسٍ مستمرة مثل الحرب في اليمن، وما يتصل بها من تصعيداتالعدوان على قطاع غزة، وفي موازاة ذلك صراعات غير مباشرة كما في فنزويلا، حيث يتحول النفط إلى أداة ضغط تعيد تشكيل المجتمعات دون حرب معلنة، و ليس اخرها العدوان على ايران.

ورغم اختلاف الشعارات، من الأمن القومي إلى محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية، يبقى الخيط الأوضح هو الصراع على الموارد: النفط، وطرق التجارة، والمعادن الاستراتيجية، حيث تتكثف المصالح وتُخفى الحقائق خلف الخطاب. لكن كشف هذه الدوافع لا يبرر شيئًا، بل يفضح كل شيء: الفجوة بين القول والفعل، وبين الخطاب والواقع. وهنا يُطرح السؤال بحدّته القصوى: بأي منطق يمكن تبرير هذا الثمن الإنساني؟

الخطر لم يعد في الحرب وحدها، بل في تطبيعها، وفي تحويلها إلى خيار دائم. وعند هذه النقطة، لا يعود الصمت حيادًا، ولا التبرير تحليلًا، بل مشاركة في استمرار المأساة. ومن هنا، فإن أي قراءة للحروب لا تنطلق من حدّ أخلاقي يضع الإنسان فوق المصالح، تبقى قراءة ناقصة ومضلِّلة؛ لأن التاريخ في جوهره لا يختبر القوة فقط، بل يختبر إلى أي حد يمكن أن يسقط الإنسان دون أن يعترف بسقوطه.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...