بروتوكول باريس: بين القيد وهامش القرار
الكاتب: د. سعيد صبري
في فلسطين، لا تُقرأ أسعار البنزين والسولار والغاز والمياه كأرقام خدمية عابرة، بل كمرآة مكثفة لوضع اقتصادي وسياسي شديد التعقيد. فهذه الأسعار لا تتشكل عند مضخة الوقود أو في فاتورة المياه فقط، بل داخل بنية أوسع تحكمها الاتفاقيات، والضرائب، وآليات التوريد، وضيق القدرة على التدخل المحلي. ولهذا، فإن السؤال عن كلفتها لا يبدأ من السوق، بل من الإطار الذي نظم العلاقة الاقتصادية منذ عام 1994، أي بروتوكول باريس الاقتصادي.
هذا الإطار لم يبقَ في حدود النصوص، بل انتقل إلى تفاصيل الحياة اليومية. فكل ارتفاع في الوقود، وكل ضيق في الهامش الضريبي، يعيد طرح سؤال جوهري: إلى أي حد نملك قرارنا الاقتصادي فعليًا؟ وإلى أي حد نتحرك داخل هامش صُمم أصلًا ليبقى محدودًا؟ هذا السؤال لا يخص صانع القرار فقط، بل يطال المزارع، وصاحب المصنع، وسائق الشاحنة، ورب الأسرة الذي يدفع في النهاية كلفة كل اختناق اقتصادي.
في ملف البنزين، يظهر القيد بأوضح صورة. فالسعر لا يتحرك بحرية كاملة، بل يبقى مربوطًا بسوق مرجعية مفروضة، ضمن سقف لا يسمح بفارق يتجاوز 15% عن السعر في إسرائيل. هذه النسبة ليست تفصيلًا فنيًا، بل حدًّا مباشرًا لهامش الحركة. وبذلك، لا يقود القرار المحلي السعر، بل يلاحقه.
لكن الصورة ليست واحدة في كل المشتقات. فالسولار والغاز لم يُقيدا بالنسبة نفسها في النص، ما يفتح هامشًا أوسع نسبيًا للتدخل المحلي. صحيح أن هذا الهامش ليس مطلقًا، بسبب قيود التوريد والجباية والسوق المرجعية، لكنه يظل مساحة يمكن استخدامها. وهنا يتحول النقاش من مجرد توصيف القيد إلى مساءلة: هل استُخدم هذا الهامش فعلًا لتخفيف العبء؟
تكمن أهمية هذا السؤال في طبيعة السولار تحديدًا. فهو ليس مجرد وقود، بل مدخل أساسي للنقل، والزراعة، والتخزين، والخدمات، وبعض أنماط الإنتاج. أي زيادة فيه لا تبقى عند المضخة، بل تنتقل فورًا إلى الاقتصاد كله. ترتفع كلفة نقل البضائع، وتتسع أعباء المنتجين، ثم تصل الزيادة إلى المستهلك على شكل غلاء عام. بهذا المعنى، لا يدفع المواطن ثمن الوقود فقط، بل ثمنه مضاعفًا في كل ما يشتريه.
ولا يقل الهامش الضريبي أهمية عن الهامش السعري. فالفارق المتاح في ضريبة القيمة المضافة لا يتجاوز نقطتين مئويتين (بين 15% و17%). قد يبدو هذا الفارق ضيقًا، لكنه اقتصاديًا ليس بلا قيمة. ففي لحظات الضغط، يمكن لنقطتين أن تخففا جزءًا من كلفة مدخلات الإنتاج أو بعض السلع الأساسية. السؤال هنا ليس عن حجم الهامش فقط، بل عن كيفية استخدامه.
الأرقام تكشف أن المسألة أعمق من مجرد شكاوى. فخسارة لا تقل عن 306 ملايين دولار سنويًا من الإيرادات غير المحولة تعني استنزافًا مباشرًا يعادل 3.6% من الناتج المحلي ونحو 18% من الإيرادات الضريبية. والأهم أن تقليص هذا التسرب كان يمكن أن يخلق ما يقارب 10 آلاف فرصة عمل سنويًا. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل مؤشرات على كلفة اقتصادية واجتماعية واسعة.
أما المياه، فقصتها أكثر تركيبًا. فهي لا تخضع لبروتوكول باريس بنفس الشكل، لكنها تقع ضمن منظومة تعتمد على الشراء والتوريد والبنية التحتية. فعام 2022، جرى شراء نحو 98.8 مليون متر مكعب من المياه، أي ما يعادل 22% من إجمالي المياه المتاحة. هذا الرقم لا يشرح جانبًا من الكلفة فقط، بل يكشف أيضًا حجم الاعتماد على مصدر خارجي.
وعلى مستوى الحياة اليومية، تظهر الفجوة بوضوح أكبر. فمتوسط استهلاك الفرد الفلسطيني يبلغ نحو 85.7 لتر يوميًا، أي أقل من الحد الأدنى المرجعي (100 لتر)، في حين يصل الاستهلاك لدى الإسرائيلي إلى نحو 300 لتر يوميًا. هنا لا نتحدث عن أرقام فقط، بل عن فجوة في الوصول إلى مورد أساسي، تعكس اختلالًا أعمق في بنية الاقتصاد.
في الواقع، لا يقرأ المواطن هذه التفاصيل القانونية، بل يواجه نتيجتها مباشرة. سائق يدفع كلفة أعلى، ومزارع تتضاعف عليه الأعباء، وتاجر ينقل الزيادة إلى السعر النهائي. وهكذا، يتحول القيد من نص في اتفاقية إلى عبء يومي في حياة الناس.
لذلك، فإن الصورة الكاملة لا تختصر في بند واحد. نحن أمام بنية تجمع بين قيد سعري واضح على البنزين، وهامش ضريبي ضيق، وخسارة مالية سنوية كبيرة، واعتماد مائي متزايد. هذه العناصر مجتمعة تفسر لماذا ترتفع الكلفة بسرعة، ولماذا تتراجع القدرة الشرائية.
لكن النقطة الأكثر أهمية لا تكمن في وجود القيد فقط، بل في كيفية التعامل معه. فالهامش المتاح، رغم ضيقه، ليس معدومًا. وكان يمكن—وما يزال يمكن—استخدامه بقدر أكبر من الفاعلية، عبر تخفيف بعض الرسوم، أو توجيه الدعم بشكل أدق، أو تحسين كفاءة التوزيع والإدارة. فالتدخل الذكي لا يلغي القيد، لكنه يخفف أثره.
المشكلة لم تعد في معرفة القيود، بل في التعايش معها دون محاولة تقليل أثرها. وبين نصوص الاتفاقيات وهوامش القرار، يتشكل الواقع الاقتصادي اليومي للمواطن.
في النهاية، لا تُقاس كفاءة السياسة الاقتصادية بقدرتها على شرح القيود فقط، بل بقدرتها على استخدام ما تبقى من هوامش. فالقضية لم تعد ما الذي قيدته الاتفاقية، بل إلى متى سنكتفي بتفسيرها بدل تحويل ما هو متاح—ولو كان ضيقًا—إلى أدوات تخفف العبء عن الناس.
بقلم: د. سعيد صبري- مستشار اقتصادي دولي، وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولي

