السلطة الفلسطينية بين الصمود المُستنزف والانهيار المحتمل ؟!
الكاتب: أحمد صيام
رفض الاتحاد الأوروبي والدول المانحة تقديم مساعدة طارئة بقيمة 300 مليون يورو للسلطة الفلسطينية، في ظل أزمة مالية خانقة واحتجاز سلطات الاحتلال الإسرائيلي أموال المقاصة، ما يفتح الباب أمام تداعيات صعبة أمام السلطة الفلسطينية، أبرزها: أزمة رواتب خانقة؛ حيث تعاني السلطة الفلسطينية منذ قرابة أربع سنوات عن الوفاء بالتزاماتها تجاه موظفيها، مما يعني الاستمرار في دفع أجزاء من الرواتب أو تعليقها بالكامل، وهو ما يهدد بانهيار اقتصادي مجتمعي في الضفة الغربية، كذلك عجزاً عن دفع النفقات التشغيلية، وعدم القدرة على تمويل النفقات التشغيلية الضرورية لاستمرار عمل المؤسسات الحكومية والخدمات الأساسية، وهو ما يزيد من العبء والضغوط على السلطة الفلسطينية.
بات يلوح في الأفق أن السلطة الفلسطينية تواجه خطر الانهيار، فتزايد التحذيرات من أن استمرار احتجاز وحجب الأموال والمساعدات قد يؤدي إلى انهيار مالي كامل للسلطة الفلسطينية، مما يهدد الاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي، ما يدعو إلى ضرورة التوجه نحو وساطات (قد تكون أوروبية) لحل الأزمة المالية عبر استلام أموال المقاصة من سلطات الاحتلال، أو محاولة اللجوء إلى شبكة أمان عربية أو أوروبية، والأخطر في ذلك، أنه حال استمرار الحصار المالي إسرائيلياً ومن ثم أوروبياً ومن قبل عربياً، قد يعمق التبعية الاقتصادية، بمعنى أنه وفي ظل الأزمة، قد تضطر السلطة الفلسطينية للقبول بوساطة أوروبية لاستلام أموال المقاصة من دولة الاحتلال، تحت شروط الإصلاح والشفافية وربط الدعم بضمانات حوكمة أو إصلاحات جوهرية، وهي مطالب مُحقة ولكن يُراد بها باطل، وينظر الأوروبيون أن مساعداتهم للسلطة الفلسطينية تصب أحياناً في ما أسموه "دعم الإرهاب"، والغريب في الأمر أن الضغوط الأوروبية والعربية إلى حد ما، تتزامن وسياسة الاحتلال الإسرائيلي في حجز عائدات الضرائب، ما يعني مزيداً من محاصرة السلطة اقتصادياً وإضعاف قدرتها على إدارة الضفة الغربية، وهو ما تصبو به آلية سلطات الاحتلال في تهيئة الأجواء لضم الضفة الغربية، وهناك مسألة أخرى ربما يُخفيها الأوروبيون باطناً، من وراء رفضهم دعم السلطة الفلسطينية وبضوء أخضر عربي خفي ربما، هو تعميق التنسيق الأمني والسياسي والرضوخ للمتطلبات الإسرائيلية، ووأد أي توجه أو فكرة نحو مقاومة الاحتلال أو الإصرار على المطالبة بالاستقلال وإقامة الدولة المستقلة.
السلطة الفلسطينية باتت على المحك وعلى شفا الانهيار، فما بعد الرفض الأوروبي قد تلجأ السلطة إلى مرحلة "تقشف أكثر شدة"، كجزء من إعادة ترتيب الأوراق، فإما البحث عن بدائل تمويل عربية، أو القبول بشروط الوساطة الأوروبية الإسرائيلية أصلاً، لاستلام الأموال المحتجزة من إسرائيل.
وكان رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد مصطفى قد أشار في تصريحات سابقة، إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستكون صعبة جداً على السلطة الفلسطينية، نتيجة لعدة أزمات مُركبة، أهمها الأزمة المالية وحجب المقاصة والوضع الاقتصادي المتدهور الذي قد يؤدي إلى تهديد في انهيار الخدمات الأساسية، وجرائم الاحتلال والمستوطنين واستمرار الاغتيالات في الضفة الغربية واعتداءات المستوطنين، بالإضافة إلى الوضع الكارثي في قطاع غزة.
رئيس الوزراء نوه إلى أن انشغال العالم بأزمات الإقليم الأخرى، يقلل من الضغط الدولي على إسرائيل، داعياً العالم لتحمل مسؤولياته، مشدداً على أن السلطة واثقة من تجاوز هذه المرحلة، واعتبر أن الترويج لانهيار السلطة يخدم الاحتلال، مشيراً إلى أن ظروفهم رغم صعوبتها أفضل من دول أخرى.
وهو ما كان قد ذكره وزير مالية السلطة الدكتور استيفان سلامة في تصريحات سابقة الشهر الماضي، أن معركة المقاصة مع الإسرائيليين تحولت إلى معركة بقاء، وأن حكومة الدكتور محمد مصطفى أعدت خطة تقشف شاملة للقطاع العام وبخطوات مالية في غاية الصعوبة، ترتكز على الإمكانيات الذاتية وخفض النفقات ووقف أي مشاريع ممولة من الخزينة العامة، محاولة تأمين هذه المشاريع عبر المجتمع الدولي، بدلاً من الاعتماد على الأموال العامة، ومحاولة الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالي.
الوزير سلامة أشاد بصمود موظفي القطاع العام، مدنيين وعسكريين، معتبراً ذلك معجزة ساعدت حتى اللحظة في منع انهيار السلطة، ودعا الموظفين إلى مزيد من الصبر، ولكنه في الوقت ذاته دعاهم إلى عدم التهرب الوظيفي لضمان استمرار الخدمات!! ولكن هذه التصريحات كانت قبل أن تصطدم السلطة الفلسطينية بالرفض الأوروبي بدعم طارئ!!
كبار القوم في السلطة يدعون صغار القوم إلى مزيد من الصمود والثبات، ولكن إلى متى؟ صرخة موظف وجهها النقابي السابق، عضو المجلس الثوري لحركة فتح، بسام زكارنة قال فيها: "في هذا الواقع الخانق لم يعد الصمود شعاراً يُرفع بل مسؤولية ثقيلة ندفع ثمنها من أعصابنا وبيوتنا وكرامتنا، نحن كموظفين وكشعب نقف مع صمودنا الوطني ونفهم حجم الحصار والضغوط التي تتعرض لها السلطة الفلسطينية هذا موقف مبدئي لا تراجع عنه، لكن دعم الصمود لا يعني الصمت على الألم، ولا يعني أن يتحمل الموظف وحده فاتورة الأزمة، الموظف اليوم لا يتقاضى راتباً بل يعيش على فتات لا يكفي لأيام، ألفان شيكل لا تبني بيتاً لا تسد ديناً ولا تحفظ كرامة إنسان، خلف هذا الرقم وجع حقيقي!! أبٌ عاجز أمام أطفاله، أمٌ تقتصد حتى في الأساسيات، وشباب تُوأد أحلامها الوردية وتُطاردهم الديون قبل أن تبدأ حياتهم، أي صمود يُطلب من إنسان مكسور؟ وأي استقرار يُبنى على هذا الضغط الهائل؟ نحن لا نجلد لمجرد النقد! نحن نجلد لأن السكوت أصبح شراكة في الانهيار، الحكومة اليوم مُطالبة أن تُثبت وجودها وتتحمل مسؤولياتها، الشعب يريد أن يرى أفعالاً لا شعارات، مطالباً بخطة طوارئ شاملة ومرئية بإعادة ترتيب الأوراق ووقف الملاحقات القضائية وقضايا الشيكات المرتجعة بحق الموظفين، وقروض البنوك التي تتراكم عليها الفوائد والتي لم يكن الموظف ليقترضها لولا كفالة راتبه الذي بات يتلقى جزءاً يسيراً منه بصعوبة ويترتب عليه فوائد وعمولات" فإلى متى؟
السلطة الوطنية أمام تحدٍ كبير وخطير، إن لم يكن في جعبتها ما ينقذها من الانهيار، ستسقط لا محالة، وهو ما يتطلب إجراءات فورية حقيقية قائمة على الاعتماد على الذات، صحيح أن الاحتلال يعمل قصارى جهده ويقف عائقاً أمام أي حركة صمود للمواطنين، ولكن هناك ما يمكن للسلطة أن تقوم به بعيداً عن سطوة وجبروت الاحتلال، ولكن قبل أي عمل يجب توفر الإرادة السياسية الحقيقية لدى القيادة الفلسطينية، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الذاتية أو الفئوية، ونقطة الارتكاز تكون استعادة ثقة المواطن وجسر الهوة بينه وبين القيادة عبر المصداقية والشفافية في إدارة الموارد المحدودة، لذلك لا بد من وقف جميع التعيينات الفئوية المستحدثة والمبادرة إلى تشكيل لجنة فنية من الخبراء المتخصصين المهنيين والتكنوقراط الوطنيين، ودراسة عمل وجدوى جميع الوزارات والمؤسسات والدوائر والهيئات المدنية والعسكرية والسفارات في أركان السلطة ومنظمة التحرير، والخلوص إلى نتائج من أهمها دمج كثير من المؤسسات معاً وتقليص عدد الموظفين - بمعنى هل السلطة حالياً تحتاج إلى هذا الكم من الوزارات والهيئات والدوائر والأجهزة الأمنية والمراتب العليا؟ من بد فإن ذلك سيوفر الكثير من النفقات ويضخ في خزينة السلطة الملايين من النقود، توجه في تعزيز الصمود والثبات والبناء.
ومن كل بد أيضاً، ستخلص هذه اللجنة إلى نتائج أخرى من شأنها أن تعمل على ترشيد الإنفاق الحكومي وتقليص كثير من النفقات غير الضرورية، والعدالة في سلم الرواتب والتركيز على صغار الموظفين لتأمين القدرة على المعيشة، وتفعيل صناديق التكافل الاجتماعي بمشاركة القطاع الخاص بكل شفافية ومسؤولية وطنية، ومكافحة التهرب الضريبي والتركيز على تعزيز الاقتصاد المُقاوم بدعم القطاع الزراعي وتشجيع المُنتج الوطني ورفع الضرائب على المنتجات المستوردة، وتوجيه البنوك لتقديم تسهيلات بضمانات حكومية للمشاريع الإنتاجية والمنزلية.
وأخيراً وليس آخراً مواصلة الجهود الدبلوماسية والسياسية الخلاقة على كافة المستويات العربية والدولية والعمل على تقليص تبعية الاقتصاد الفلسطيني المرتبطة باتفاقية باريس الاقتصادية والتحلل من الضغوطات الإسرائيلية.

