أيُّ عيدٍ لعمّال فلسطين ؟
الكاتب: عدنان ملحم
يأتيُ الأوّلُ من أيّار، عيدُ العمّال، في سياقٍ فلسطينيٍّ موجعٍ ومظلمٍ وصعب؛ ظروفٌ قاسيةٌ تمتدّ في كامل الجغرافيا الفلسطينية، تتشابه فيها الخسارة: غيابُ الحماية والعدالة الاجتماعية عن الطبقة العاملة في مختلف مواقعها وتجلياتها.
فقدَ أكثرُ من 300 ألفِ عاملٍ وظائفَهم في الداخل الفلسطيني خلال العامين الماضيين، من دون إنذارٍ مسبق، ولا بدائلَ حقيقية، ولا تعويضاتٍ تُوازي حجم الخسارة. وقد خلّف ذلك فراغًا اقتصاديًا خانقًا، في ظلّ غياب متابعةٍ جادّة وسياساتِ إنصافٍ قادرة على إعادة دمجهم في سوق العمل أو التخفيف من وطأة الانقطاع القسري عن مصادر رزقهم.
في الضفة الغربية، تأخذ صورةُ الأزمة طابعَ الاستنزاف البطيء والممتد. عمّالٌ يواجهون منظومةَ ضغطٍ مركّبة: طردٌ أو استغناء، أو تلقّي أجورٍ متأخّرةٍ أو منقوصة؛ كلفةُ معيشةٍ تتصاعد بلا سقف، ديونٌ تتراكم بصمت، وأعباءٌ ماليةٌ تتداخل مع ضغوطٍ بنكيةٍ متزايدة، تصل في بعض الحالات إلى الملاحقة القضائية وما يرافقها من إجراءاتٍ قاسية، تجعل العاملَ محاصرًا بين الحاجة والحسابات.
في قطاع غزة، تتجاوز الأزمةُ حدودَ سوق العمل لتصبح انهيارًا شبهَ كاملٍ في بنية الاقتصاد وفرص التشغيل. البطالةُ هنا ليست حالةً عابرة، بل بنيةٌ دائمة، والفرص تكاد تنعدم، فيما يتحوّل الاعتمادُ على المساعدات إلى نمطِ حياةٍ قسري. العاملُ في غزة لا يواجه فقط صعوبةً في العمل، بل يواجه غيابًا شبهَ تامٍّ لإمكانية العمل والاستقرار معًا! .
وبالتوازي مع هذه المشاهد الثلاثة، يبرز خللٌ لا يقلّ خطورة، يتمثّل في غياب الدور النقابي الفاعل. فالنقابات، التي يُفترض أن تكون صوتَ العمّال وحصنَهم الأوّل، تبدو بعيدةً عن جوهر وظيفتها؛ منشغلةً بالأطر الشكلية والاعتبارات التنظيمية أكثرَ من انشغالها بالدفاع الحقيقي عن الحقوق اليومية للعمّال. غيابٌ يترك العاملَ الفلسطيني مكشوفًا أمام قسوة السوق وتعقيدات الاقتصاد، دون سندٍ فعليٍّ يوازن علاقات القوة أو يفرض الحدّ الأدنى من العدالة! .
وفي ختام هذا المشهد القاسي، يبقى العاملُ الفلسطيني أكثرَ من مجرّد رقمٍ في إحصاءات البطالة أو ضحيةٍ لخلل السياسات؛ إنّه روحُ البقاء في هذه الأرض، وساعدُها الذي لا ينكسر. وحين يضيق الأفق، وتثقل الخسارات، يظلّ شاهدًا حيًّا على أن الكرامة لا تُستورد، وأن العدالة ليست منحة، بل حقٌّ يُنتزع. ففي كلّ يدٍ متعبةٍ حكايةُ صمود، وفي كلّ خطوةٍ مثقلةٍ وعدٌ بأن هذه الأرض، رغم كلّ شيء، لا تزال تنبض بأهلها! .

