الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:18 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:29 PM
العشاء 8:54 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

بين البراغماتية السياسية والتحرر الوطني ، حتى لا يفقد المشروع الفلسطيني بوصلته؟

الكاتب: د. مروان إميل طوباسي

في أعقاب عدوان الإبادة الإسرائيلية على غزة وما رافقها من تحولات إقليمية ودولية عميقة ، تجد الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها أمام لحظة مراجعة تاريخية شاملة . فالقضية الفلسطينية لم تعد تواجه فقط مشروع الإبادة والاقتلاع الإستعماري الإسرائيلي ، بل أيضاً محاولات إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بما ينسجم مع ترتيبات أمنية وإقليمية جديدة ، تُعيد تعريف وظيفة السلطة الفلسطينية ودور منظمة التحرير ضمن سقوف سياسية منخفضة لا ترتقي إلى متطلبات مشروع التحرر الوطني .

وفي هذه اللحظة المفصلية ، تقف منظمة التحرير الفلسطينية، ومعها مجمل الحركة الوطنية وبالمقدمة منها "فتح" ، أمام أزمة تتجاوز البعد التنظيمي لتطال جوهر المشروع الوطني نفسه . فبعد عقود من النضال التحرري ، دخلت المنظمة في مسار ما سُمّي بالإصلاح ، لكنه بدا أقرب إلى عملية شكلية لم تمس عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها مؤسساتها ، ولم تنجح في استعادة دورها الكفاحي والتمثيلي الجامع .

وإذا كان القبول الفلسطيني بحل الدولتين عام ١٩٨٨ قد مثّل براغماتية سياسية مقصودة هدفت إلى تحقيق مكاسب وطنية ضمن استراتيجية تحررية ، فإن البراغماتية الراهنة تبدو بلا أفق سياسي واضح ، وتُمارَس في ظل حكومة أحتلال لا تؤمن بأي تسوية ، بل تمارس حرباً مفتوحة ضد الهوية والوجود الوطني الفلسطيني برمته . إنها براغماتية أقرب إلى التكيّف مع الوقائع المفروضة منها إلى إدارة مشروع وطني تحرري فاعل .

لقد كانت البراغماتية السياسية ، في مراحل معينة ، ضرورة تكتيكية للتعامل مع تعقيدات الواقع الدولي والإقليمي ، لكنها تحولت تدريجياً إلى خيار قائم بذاته يجري تسويقه كبديل عن الكفاح الوطني ، لا أداة في خدمته . غير أن هذا التحول لم يحقق إنجازات سياسية حقيقية ، بل فاقم الأزمة الوطنية ، وعَمق الارتهان الخارجي ، وأضعف مكانة منظمة التحرير كممثل جامع للشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده .

وعلى المستوى العملي ، تهمشت مؤسسات المنظمة وأفرغَ المجلس الوطني والمركزي من دوره التمثيلي والتشريعي والرقابي ، بانتظار اجراء الانتخابات لعضويته في نوفمبر القادم وفق الاعلان الرئاسي الصادر بالخصوص . فيما انشغلت القيادة الرسمية بإدارة أزمات السلطة الوطنية اليومية أكثر من انشغالها بإعادة بناء المشروع الوطني التحرري ، وسط تصاعد الارتهان للاشتراطات الدولية والتمويل المشروط بما لذلك علاقة يقرصنة اموال المقاصة ، بما أدى إلى تقزيم الطموحات الوطنية وتحويل الثوابت الفلسطينية إلى ملفات تفاوضية قابلة للمساومة ، دون دفع اي استحقاقات سياسية بالمقابل تقدمها تلك الجهات المانحة والضاغطة التي تسعى لفرض الوصاية .

وفي ظل هذا المسار ، تتزايد الضغوط الأمريكية والغربية لدفع قيادتنا وشعبنا الفلسطيني نحو مزيد من "الواقعية السياسية"، التي لا تعني عملياً سوى القبول بحكم ذاتي وظيفي محدود الصلاحيات ، منزوع السيادة الوطنية ، وخاضع لاعتبارات الأمن الإسرائيلي . كما أن الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية بات يُعاد تعريفه وفق معايير "الاستقرار الأمني" و"الإدارة السكانية" و "تحسين شروط الحياة تحت الأحتلال" ، لا وفق الالتزام بإنهاء الأحتلال أو دعم الحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف وفق مقررات المجتمع الدولي والقرارات الأممية بالخصوص.

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة مع اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة "فتح" الاسبوع القدم ، باعتباره محطة سياسية وتنظيمية مفصلية ، يفترض أن تتجاوز البعد الإجرائي نحو مراجعة نقدية لمسار الحركة ودورها التاريخي داخل المشروع الوطني التحرري الفلسطيني . فالتحدي الحقيقي أمام المؤتمر لا يكمن فقط في إعادة إنتاج البنية القيادية ، بل في قدرته على استعادة الطابع التحرري للحركة وتجديد رؤيتها السياسية والتنظيمية بما يعيد وصلها بقواعدها الشعبية والأجيال الجديدة الى جانب الوقائع الإقليمية والدولية التي باتت تشهد تراجع الهيمنة الأمريكية وبروز ملامح نظام دولي متعدد الأقطاب .

إن أخطر ما تواجهه القضية الفلسطينية اليوم ليس فقط العدوان الإسرائيلي الإستعماري المتصاعد ، بل خطر تحوّل الحالة الفلسطينية الرسمية إلى مجرد إدارة سياسية وأمنية لأزمة مستدامة تحت الأحتلال .
 ومن هنا ، فإن إعادة بناء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني لم تعد مسألة إصلاح إداري أو تجميل مؤسساتي رغم اهمية التطوير والبناء الديمقراطي وفق القرار المستقل ، بل أصبحت معركة سياسية وفكرية على هوية "فتح" والحركة الوطنية نفسها ، فهل تبقى حركة تحرر وطني ، أم تتحول تدريجياً إلى كيان وظيفي محكوم بشروط الخارج وتوازنات الأمر الواقع ؟

إن استعادة الإرادة والمبادرة الوطنية تتطلب إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بمكوناتها الوطنية الواسعة على أسس ديمقراطية جامعة باعتبار ان الشعب هو مصدر السلطات ، تُعيد الاعتبار لدورها التمثيلي والكفاحي ، وتربط بين العمل السياسي والدبلوماسي المقاوم والتضامن الدولي المتصاعد ومتابعة اجراءات القضاء الدولي في محاكمة دولة الأحتلال دون تراجع والمقاطعة المتنامية والمقاومة الشعبية المُكلفة للأحتلال بوصفهم عناصر متكاملة لزيادة عزلة دولة اسرائيل وسياسات الولايات المتحدة كشريك وداعم رئيسي ، باعتبار اننا حركة تحرر وطني تسعى إلى الحرية والأستقلال الوطني ، لا مجرد إدارة أزمة تحت الأحتلال .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...