قبل أن نُفجَع بالذكاء الاصطناعي.. ثمة أمل
الكاتب: محمد مشارقة
تطاردني فكرة سوداوية كلما تأمّلت المشهد الرقمي اليوم: هل صرنا فعلاً مجرد أرقام في جداول أرباح شركات لا نعرف من يديرها؟ خوارزميات صامتة تُقرّر عنّا، وعمالقة تكنولوجيا تبيع بياناتنا دون استشارتنا، وذكاء اصطناعي يتطور بسرعة تتجاوز قدرتنا على فهمه.
لكنّ ما وجدته عن "الجيل الثالث للشابكة" Web 3.0 فتح لي نافذةً مختلفة. ثمّة ثورة هادئة تجري الآن قد تُعيد للمستخدم سيادته على بياناته ومحتواه، وتُبشّر بمستقبل رقمي أكثر ديمقراطية.
القصة باختصار: نحن لسنا "مستخدمين" في الإنترنت الحالي، بل نحن المُنتَج. كل صورة وتعليق وثانية أمام الشاشة تتحوّل إلى بيانات تُباع. ومنصة كاملة يمكن إغلاقها بضغطة زرّ، وسنوات من العمل تتبخر بقرار أحادي. هذا ما يصفه خبير عربي مختص هو د.حسن مصدق بـ"الإقطاع التقني الحديث".
بماذا يعدنا الجيل الثالث؟ :
مستقبل ديمقراطي حقيقي على الإنترنت. منصات لا يديرها مديرون تنفيذيون ومجالس إدارة فوقية، بل يُديرها المستخدمون أنفسهم عبر تصويت جماعي شفّاف. هياكل اسمها "المنظمات المستقلة الموزعة" (DAOs) تُتيح لكل مساهم بمحتواه أن يكون شريكاً في القرار وفي الأرباح، تماماً كما يحدث في الديمقراطيات السياسية الحقيقية. لا قرارات سرية، لا سياسات مفروضة من فوق، لا حجب لمحتوى دون مساءلة.
أمّا الخصوصية، فتتغيّر قواعدها جذرياً. بدل أن تُسلّم بياناتك الحساسة لشركة لتُثبت لها أنك بالغ أو مواطن أو مؤهل، يمنحك الجيل الثالث ما يُسمى "الهوية الرقمية السيادية". تُثبت أنك بالغ دون كشف تاريخ ميلادك. تُثبت أنك مواطن دون كشف رقمك الوطني. تُثبت دخلك المالي دون كشف حساباتك. أدلة رياضية مشفّرة تُؤكد المعلومة دون إظهار تفاصيلها. أنت من يقرر ماذا تكشف ومتى ولمن، وأنت من يحتفظ بمفاتيح هويتك الرقمية في محفظة مشفّرة لا يدخلها سواك.
وفي صلب هذا كله تقنية "البلوكتشين" التي تُوزّع البيانات على آلاف الحواسيب حول العالم، فلا تُعطّلها أزمة، ولا تُحجبها رقابة، ولا تحتكرها شركة.
ولماذا يهمّنا تحديداً؟ لأن الإنترنت الحالي ليس محايداً كما يُروَّج له، بل شبكة تخضع لهيمنة غربية ثقافية ومعرفية وسياسية. والجيل الثالث يفتح نافذةً لتحرير بياناتنا وتراثنا من خوادم لا نتحكم بها. هذه فرصة تاريخية لا يجوز تفويتها.
ما المطلوب:
• لا مناص من توجيه أولويات الموازنات والاستثمار في البنية التحتية، وإصلاح التعليم لإدماج هذه التقنيات، وصياغة تشريعات مرنة تحمي دون أن تخنق الابتكار، والتعاون الإقليمي العربي قبل ضياع الفرصة. وعلينا كالأفراد أن نتعلم، ونُجرّب، ونُعلّم أبناءنا أن خصوصيتهم قيمة لا تُساوم.
• النافذة الزمنية ضيقة. قواعد العالم الرقمي الجديد تُكتب الآن. من يتحرك سيكون مؤسساً، ومن ينتظر سيستيقظ يوماً ليجد القواعد قد فُرضت عليه كما فُرضت من قبل.
• والمعركة في جوهرها بين رؤيتين للإنسان: إنسان يملك ذاته وقراره وخصوصيته، أو إنسان يُملَك ويُستهلَك ويُساق. والاختيار ممكن.

