الموظف الفلسطيني... بطل خارق بنصف راتب!
الكاتب: د. عمر السلخي
دليل النجاة اليومي في زمن البوابات والأسعار الطائرة
يستيقظ الموظف الفلسطيني صباحًا، لا لأنه حصل على قسط كافٍ من النوم، بل لأنه دخل مرحلة جديدة من المغامرة اليومية التي تفوق في أحداثها أفلام الأكشن العالمية.
فهو مواطن محظوظ جدًا، يحصل على نصف راتب، بينما تُطالبه الحياة بدفع كامل الفواتير، وكامل الأقساط، وكامل أسعار الخضار واللحوم والمحروقات، وكأن الراتب نفسه لم يتعرض لأي خصم أو تقليص.
نصف راتب... وكامل الالتزامات
الجميل في الأمر أن البنوك لا تؤمن بنظرية "نصف الراتب"، وشركات الكهرباء لا تعترف بمفهوم "الظروف الاقتصادية"، وأقساط الجامعات والمدارس ما زالت تدرس الرياضيات التقليدية التي تقول إن الرقم الكامل لا يساوي نصف الرقم.
أما صاحب الدكان، فقد أصبح خبيرًا اقتصاديًا، يبتسم للموظف ويقول له:
"خذ حاجتك وسجلها على الدفتر... والله يفرجها."
حتى الدفتر نفسه بدأ يشتكي من كثرة الأسماء وتراكم الأرقام.
البوابات الحديدية... خدمة مجانية للياقة البدنية
وفي طريقه إلى العمل، يستمتع الموظف بجولة سياحية بين البوابات الحديدية والحواجز العسكرية المنتشرة على مداخل القرى والبلدات.
فبدل أن يقطع المسافة في عشر دقائق، يحصل على رحلة مجانية قد تمتد ساعة أو ساعتين.
وأحيانًا يكتشف أن الطريق مغلق، فيضطر إلى الالتفاف عبر الجبال والوديان، ليصل إلى عمله وقد استهلك من الوقود والطاقة النفسية أكثر مما سيحصل عليه من بدل مواصلات طوال الشهر.
المواصلات... استثمار طويل الأجل
أما أجرة المواصلات، فقد دخلت مرحلة جديدة من التطور الاقتصادي.
فالسائق يرفع الأجرة بسبب ارتفاع الوقود، والموظف يدفع الأجرة من راتب لم يرتفع منذ سنوات، بل انخفض إلى النصف.
وبذلك تتحول رحلة الذهاب إلى العمل إلى مشروع استثماري يحتاج إلى دراسة جدوى وموافقة من وزارة المالية وصندوق النقد الدولي.
التسوق... رياضة نفسية جديدة
يدخل الموظف إلى السوق حاملاً قائمة احتياجات أسرته، ثم يخرج حاملاً نصفها فقط.
فالأسعار أصبحت تمارس هواية القفز العالي يوميًا.
كيلو اللحم أصبح من الكماليات و الخضار والفواكه فقد قررت هي الأخرى الانضمام إلى نادي الارتفاعات القياسية.
وأمام كل رف في السوبرماركت يقف الموظف للحظات تأمل فلسفي عميق، متسائلًا:
"هل أشتري الجبنة أم أدفع فاتورة الإنترنت؟"
الأبناء في العطلة الصيفية... والجيب في حالة طوارئ
بدأت العطلة الصيفية، والأطفال يريدون الخروج واللعب والرحلات والمخيمات.
لكن الأب الموظف ينظر إلى محفظته الخالية ويقترح برنامجًا ترفيهيًا جديدًا:
مشاهدة السيارات المارة من الشرفة، أو جولة مجانية حول المنزل.
فالمتنزهات قليلة، والأنشطة مكلفة، والقدرة الشرائية أصبحت قصة من قصص الماضي الجميل.
الموظف الفلسطيني... معجزة اقتصادية متحركة
ورغم كل ذلك، يستمر الموظف في الذهاب إلى عمله، وتربية أبنائه، وسداد ما يستطيع من التزاماته، والمحافظة على كرامته وأمله.
إنه نموذج اقتصادي فريد يحتاج إلى دراسة أكاديمية عاجلة:
كيف يستطيع إنسان أن يعيش بنصف راتب، وأسعار كاملة، ومواصلات مرتفعة، وطرق مغلقة، وأعباء لا تنتهي؟
ربما يكون الموظف الفلسطيني آخر الموارد الطبيعية القادرة على التحمّل، وآخر معجزة اقتصادية لم ينجح الخبراء في تفسيرها حتى الآن.

