الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 3:54 AM
الظهر 12:39 PM
العصر 4:19 PM
المغرب 7:51 PM
العشاء 9:24 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

من ظبيةِ النبي (صلعم) إلى ظبيتي: صراعٌ بين من يتوارث القيد ومن يتوارث الوفاء

الكاتب: د. محمد عودة

يُحكى أن ظبيةً وقعت يومًا في الأسر، وأنها وقفت أمام القيد وهي لا تفكر في نفسها بقدر ما كانت تفكر في صغيريها اللذين تركتهما في البرية ينتظران عودتها. لم يكن خوفها من الحبل الذي طوّق عنقها، ولا من المصير الذي ينتظرها، بل من الجوع الذي قد ينهش صغيريها ومن الوحشة التي قد تسرق طمأنينتهما، وحين وضع الرسول نفسه كضمانة لعودتها أُذن الصياد لها أن تمضي إليهما، لم ترَ في ذلك فرصةً للهرب، بل فرصةً لأداء واجبها. ذهبت إلى صغيريها، أرضعتهما واطمأنت عليهما، ثم عادت، لم يعدها القيد، ولم يعدها الخوف، بل أعادها الوفاء، ومنذ ذلك الزمن البعيد بقيت الحكاية حيّة في الوجدان، لا لأنها تتحدث عن ظبية فحسب، بل لأنها تتحدث عن قيمةٍ نادرة تجعل الكائن أوفى من القيد وأصدق من الخوف.

ولطالما استوقفتني تلك الحكاية، لا لأنها حدثت في زمن مضى، بل لأنني أشعر أن بعض الحكايات لا تنتهي بانتهاء أبطالها، وإنما تستمر في أشخاص آخرين يحملون المعنى نفسه وإن اختلفت الأزمنة والأماكن، ولهذا كلما فكرت في رشا، شعرت أنها تنتمي إلى سلالة تلك الظبية، لا بسلسلة الدم والنسب، بل بسلسلة المعنى والروح. فالظبية الأولى كانت تحمل همَّ صغيريها، أما رشا فتحمل في قلبها همَّ قطاع غزة كاملاً، وكانت الأولى تخشى على ظبيين صغيرين من الضياع، أما ظبيتي فتخشى على أرواح مئات الآلاف من البشر الذين وجدوا أنفسهم في قلب العاصفة.

كانت تلك الظبية تبحث عن الحياة لصغيريها، أما رشا فتبحث عن الحياة لكل طفلٍ ينام على خوف، ولكل أمٍّ تحاول أن تخفي دمعتها كي لا تزيد من قلق أبنائها، ولكل شيخٍ أنهكته الحروب المتعاقبة، ولكل شابٍّ يحاول أن يتمسك بحلمه في زمنٍ تتكاثر فيه أسباب اليأس، ولهذا لا أستطيع أن أرى رشا مجرد ظبيةٍ أخرى في الحكاية، بل أراها امتدادًا لتلك الظبية الأولى التي جعلت من حماية الحياة رسالةً تتقدم على كل شيء.

الظبية الأولى أوصلتنا رسالةً مفادها أن القيد يمكن أن يُكسر بالوفاء، وأن الحياة الفردية لا تنفصل عن مسؤوليتها تجاه من تحب، كانت رسالتها بسيطة ومباشرة، تدور حول ظبيين ينتظران عودتها، وحول قلبٍ لا يحتمل أن يخون العهد حتى لو أُتيحت له فرصة النجاة.

أما ظبيتي، رشا، فلم تكن رسالتها فردية، بل كانت أوسع من ذلك بكثير، لقد حوّلت الحكاية من سؤالٍ عن عودة ظبية إلى صغيريها، إلى سؤالٍ عن بقاء مجتمعٍ بأكمله في مواجهة الجوع والحصار والقيد ، لم تعد القضية قضية أمومة فقط، بل قضية وجود، وقضية أرض، وقضية حقّ شعبٍ كامل في أن يبقى حيث هو، وأن لا يُطلب منه أن يدفع ثمن بقائه حياً برحيله.

بين الرسالتين يتضح التحول الكبير: من ظبيةٍ تُختبر في وفائها لأبنائها، إلى ظبيةٍ تُختبر في وفائها لبلد باكمله، وكأن المعنى نفسه قد تمدد عبر الزمن ليصبح أكثر اتساعًا، وأكثر وجعًا، وأكثر إنسانية في الوقت ذاته.

وفي المقابل، يبدو القيد وكأنه أكثر الأشياء قدرةً على توريث نفسه عبر العصور، تتبدل الأسماء وتتغير الوجوه وتتعاقب الأجيال، لكن القيد يبقى حاضرًا بأشكال مختلفة، مرةً يكون حبلًا يلتف حول عنق ظبية، ومرةً يكون حصارًا يطبق على بلد باكمله، ومرةً يكون حربًا لا تترك للناس متسعًا لالتقاط أنفاسهم، ومرةً يكون مشروعًا يريد اقتلاع الإنسان من أرضه وإقناعه بأن الرحيل خلاص، كأن القيد يتوارث نفسه من جيلٍ إلى جيل، كما لو أنه يخشى أن يندثر مع الزمن.

ومن هنا أفهم ميليكوفسكي بوصفه رمزًا ، إنه اسمٌ للقيد حين يلبس ثوب القوة، واسمٌ للفكرة التي تتوهم أن الأرض يمكن أن تنفصل عن أهلها، وأن الوطن يمكن أن يبقى بعد اقتلاع أبنائه منه، ولذلك حين يقول ميليكوفسكي لرشا، سأحتفظ بغزة وأسمح لكم بالرحيل، فإنه يكشف عن جوهر المأزق كله. فهو يتعامل مع غزة كما لو أنها قطعة أرض يمكن الاحتفاظ بها، بينما تدرك رشا أن غزة ليست شوارع ومبانٍ وبحرُ فحسب، بل هي الناس الذين يمنحون هذه الأرض معناها، فما قيمة البيت إذا غاب أهله؟ وما قيمة الميناء إذا غاب صيادوه؟ وما قيمة الأزقة إذا غابت عنها خطوات الأطفال؟ وما قيمة الوطن إذا تحول إلى مساحةٍ خالية من أبنائه؟ وكأنه يطلب من الأرض أن تبقى بلا أصحابها، لتصبح ملكًا بلا معنى.

ولذلك لم تكن معادلة ميليكوفسكي بالنسبة لرشا معادلةً بين البقاء والرحيل، بل كانت معادلةً بين الوجود والعدم، فهو يعرض على الظباء أن تنجو بأجسادها مقابل أن تترك روحها خلفها، يعرض عليها أن تحمل ذاكرتها وتغادر، وكأن الذاكرة تستطيع أن تعيش بعيدًا عن المكان الذي وُلدت فيه، لكنه لا يدرك أن الأوطان تسكن أبناءها أكثر مما يسكنونها، وأن الإنسان قد يبتعد عن أرضه قسرًا، لكنه لا يستطيع أن يقتلعها من قلبه.

ولعل الفارق الأعمق بين تلك الظبية ورشا أن الأولى كانت مسؤولة عن صغيريها، أما الثانية فتشعر بمسؤوليةٍ تجاه كل الأرواح التي تتقاطع مع مصير غزة، كانت الأولى تنظر إلى صغيرين ينتظرانها عند طرف البرية، أما ظبيتي فتنظر إلى شعبٍ باكمله يتشبث بالحياة رغم كل ما يحيط به من أسباب الفقد والخوف والوجع، كانت الأولى تخشى أن تفقد صغيريها، أما ظبيتي فتخشى أن يفقد الناس حقهم في الحياة وحقهم في البقاء وحقهم في أن يحلموا بمستقبلٍ أقل قسوة.

ولهذا أرى أن الحكاية لم تتغير كثيرًا، ما زالت الظبية هي الظبية، وما زال القيد هو القيد، غير أن دائرة المعنى اتسعت. فالظبية التي كانت تدافع عن حياة صغيرين أصبحت تدافع عن حياة قطاع غزة باكمله ، والقيد الذي كان يطوق عنق ظبية واحدة صار يحاول أن يطوق وطنًا كاملًا، وبين هذا وذاك يستمر الصراع القديم نفسه؛ صراع بين من يرى الحياة حقًا يجب حمايته، ومن يرى الأرض غنيمة يمكن الاستيلاء عليها.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يلفتني في الحكاية ليس قوة القيد، بل قدرة الظبية على البقاء وفيةً لما تؤمن به، فظبية النبي عادت حين كان الهرب ممكنًا، لأنها آمنت بأن الوفاء أثمن من النجاة الفردية، ورشا تتمسك بأرضها وأهلها حين يبدو الرحيل أسهل عند كثيرين، لأنها تؤمن بأن الحياة لا تُقاس بعدد السنوات فقط، بل بالقدرة على الحفاظ على المعنى الذي يجعل لهذه السنوات قيمة.

هكذا أرى  ظبيتي رشا؛ حفيدة تلك الظبية التي عبرت القرون ولم تغادر الذاكرة، ورثت عنها القلب الذي يتسع للآخرين، والقدرة على حمل الهموم الجماعية، والإيمان بأن الإنسان لا يكتمل بعيدًا عن أرضه وأهله، وإذا كان القيد قد نجح في أن يورث نفسه عبر العصور، فإن الظبية نجحت هي الأخرى في أن تورث الوفاء. وبين قيدٍ يتوارث نفسه ووفاءٍ يتوارث نفسه تستمر الحكاية، لكن التاريخ في النهاية لا يتذكر الحبال التي قيدت الأعناق، بل يتذكر الأرواح التي رفضت أن تنكسر، ولهذا ستبقى تلك الظبية حاضرةً في الذاكرة، وستبقى رشا، حفيدتها في المعنى، شاهدةً على أن حماية الحياة والتمسك بالأرض وجهان لحقيقةٍ واحدة، وأن الليل مهما طال لا يستطيع أن يمنع الفجر من أن يبزغ.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...