الزراعة الفلسطينية 2026: موسم الإعجابات بديلاً عن موسم الحصاد
الكاتب: د.عمر السلخي
إنجاز وطني جديد: تحويل المزارع إلى صانع محتوى
بعد عقود طويلة من استخدام المحاريث والمعاول، نجح الفلسطيني أخيرًا في مواكبة العصر الرقمي، وانتقل من زراعة الأرض إلى زراعة المنشورات.
فاليوم لم يعد نجاح الموسم الزراعي يُقاس بعدد الدونمات المزروعة أو أطنان الإنتاج، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات والتعليقات التي حصدتها صورة شجرة الزيتون على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأصبح لدينا آلاف الخبراء في شؤون الأرض، لكن عند السؤال عن آخر مرة زاروا فيها أرضهم، يبدأ الصمت الزراعي بالحديث.
المزارع الرقمي: يعرف الخوارزميات أكثر من مواسم الزراعة
ظهر في فلسطين نوع جديد من المزارعين يستحق الدراسة.
فهو يعرف أفضل وقت لنشر منشور على فيسبوك، لكنه لا يعرف أفضل وقت لزراعة القمح.
ويتابع نسب الوصول والتفاعل أكثر مما يتابع توقعات الطقس.
ويستطيع أن يشرح بالتفصيل كيفية زيادة عدد المتابعين، لكنه لا يعرف كيف يزيد إنتاج شجرة زيتون واحدة.
هذا المزارع لا يحمل محراثًا، بل هاتفًا ذكيًا، ولا يزور أرضه إلا عندما يحتاج إلى صورة جديدة لحسابه الشخصي.
الأرض في غرفة الانتظار
في المقابل، تقف آلاف الدونمات الفلسطينية في حالة انتظار مزمنة.
تنتظر من يزيل الحجارة عنها.
تنتظر من يزرعها.
تنتظر من يعتني بها.
لكن يبدو أن الأرض لم تدرك بعد أنها تعيش في عصر التكنولوجيا، وأن عليها أولًا إنشاء حساب على مواقع التواصل حتى تحظى بالاهتمام.
ففي زمننا هذا، أصبحت صورة الأرض أهم من الأرض نفسها.
من القمح والزيتون إلى الصور والفلاتر
كان الفلاح الفلسطيني يقضي يومه بين الحقول.
أما اليوم، فبعضنا يقضي يومه يبحث عن أفضل فلتر لصورة الحقل.
وكانت الأشجار تُزرع لتنتج.
أما الآن فتبدو وكأنها تُزرع لتُصوَّر.
حتى إن بعض أشجار الزيتون أصبحت تظهر على الشاشات أكثر مما تظهر في برامج التنمية الزراعية.
ولو كانت الأشجار تتقاضى أجرًا عن كل صورة تُلتقط معها، لأصبحت أغنى من أصحابها.
المستوطن يعمل دوامًا كاملًا... ونحن نعمل موسميًا
المشكلة أن المستوطن في الجهة الاخرى لا يشاركنا هذا الشغف الإلكتروني.
فبينما ننشر صورة بعنوان "الأرض لنا"، يكون المستوطن قد أنهى شق طريق استيطاني جديد.
وبينما نكتب منشورًا عن الصمود، يكون قد أقام سياجًا جديدًا.
وبينما نتجادل حول أفضل صيغة لتعليق وطني، يكون قد زرع تلة جديدة وفرض واقعًا جديدًا على الأرض.
في محافظة سلفيت، حيث تنتشر المستوطنات والبؤر الاستيطانية فوق مساحات واسعة من الجبال والأراضي الزراعية، لم تعد المعركة نظرية.
إنها معركة بين من يزرع ومن يكتفي بالكلام عن الزراعة.
فالأرض لا تعرف البيانات الصحفية، ولا تفهم الشعارات، بل تعرف شيئًا واحدًا فقط: من يحضر إليها ومن يغيب عنها.
مشروع وطني عاجل: إنقاذ الأرض من أصحابها
ربما أخطر ما يهدد بعض الأراضي الفلسطينية ليس الاستيطان وحده، بل حالة الهجران التي أصابتها.
ففي الوقت الذي يبحث فيه المستوطن عن كل متر إضافي، نجد بعض أصحاب الأرض يبحثون عن كل عذر ممكن لعدم الوصول إليها.
مرة بحجة ضيق الوقت.
ومرة بحجة ضعف الجدوى الاقتصادية.
ومرة بحجة الظروف.
ثم نستيقظ بعد سنوات لنسأل باستغراب: كيف خسرنا هذه الأرض؟
وكأن الأرض تضيع فجأة دون مقدمات.
من "أعجبني المنشور" إلى "أعجبني المحصول"
ربما حان الوقت لإعادة ترتيب الأولويات.
فالأرض لا تحتاج إلى المزيد من الصور بقدر حاجتها إلى المزيد من الأشجار.
ولا تحتاج إلى المزيد من التعليقات بقدر حاجتها إلى المزيد من الأيدي العاملة.
لقد أتقنّا فن نشر صور الزيتون، لكننا لم نتقن بعد فن تحويل الأرض إلى مصدر إنتاج وصمود وتنمية.
لذلك ربما حان الوقت للانتقال من مرحلة "شارك الصورة" إلى مرحلة "ازرع الشجرة"، ومن مرحلة "أعجبني المنشور" إلى مرحلة "أعجبني المحصول".
فالأرض لا تقرأ التعليقات، ولا تحسب عدد الإعجابات، لكنها تكافئ من يزرعها ويحميها ويتمسك بها.
أما الإعجابات فلا تُنبت قمحًا، والتعليقات لا تُنتج زيتًا، والهاشتاغات لا تمنع مصادرة الأرض.
وفي النهاية، قد يكون أفضل منشور عن فلسطين هو ذلك الذي يُكتب بالمحراث على تراب الحقول، لا بلوحة المفاتيح على شاشة الهاتف.

