صَخْرَةُ سِيزِيف، مِنْ عَبَثِ التَّكْرَارِ إِلَى حِكْمَةِ الاخْتِيَارِ
الكاتب: د. محمد عودة
منذ آلاف السنين، وما زالت أسطورة سيزيف حاضرة في الوعي الإنساني، ليس لأنها تحكي قصة رجل عوقب بدفع صخرة إلى قمة جبل، بل لأنها تعكس صورة تتكرر في حياة الأفراد والمؤسسات والمجتمعات على حد سواء. فالصخرة لم تعد حجرًا ضخمًا، والجبل لم يعد مكانًا بعينه، بل أصبحا رمزين لكل جهد يبذله الإنسان في سبيل هدف يراه قريبًا، ثم يكتشف بعد سنوات من العمل أنه عاد إلى حيث بدأ.
كثيرون يعيشون تجربة سيزيف دون أن ينتبهوا إلى ذلك. موظف يكرر الروتين ذاته كل يوم دون أن يقترب من طموحه، وطالب يجتهد لكنه يكرر الأخطاء نفسها في كل مرحلة، ومؤسسة تضع الخطط ذاتها عامًا بعد عام وتنتظر نتائج مختلفة، ومجتمعات بأكملها تعيد إنتاج المشكلات نفسها ثم تتساءل عن أسباب تعثرها.
وفي معظم الأحيان لا تكمن المشكلة في حجم التحديات، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها. فالإنسان بطبيعته يميل إلى التمسك بالمألوف، حتى عندما تثبت التجربة أن الأدوات التي يستخدمها لم تعد قادرة على تحقيق الغاية المرجوة. وهنا يتحول الجهد من وسيلة للتقدم إلى مجرد حركة دائرية تستنزف الوقت والطاقة دون أن تُحدث تغييرًا حقيقيًا.
ولعل أخطر ما في الأمر أن تكرار الفشل قد يتحول مع الزمن إلى عادة، وأن الاعتياد على المشهد قد يجعل الإنسان أقل قدرة على رؤية البدائل الممكنة. وعندما يحدث ذلك يصبح دفع الصخرة غاية بحد ذاته، بدلًا من أن يكون وسيلة للوصول إلى القمة.
غير أن الفرق الجوهري بين سيزيف الأسطورة والإنسان الحقيقي يتمثل في أن الإنسان يملك القدرة على التعلم. فسيزيف كان أسير عقوبة أبدية، أما الإنسان فليس محكومًا بالمصير ذاته. إنه قادر على التوقف للحظة، وتأمل الطريق الذي يسلكه، والتساؤل عمّا إذا كانت المشكلة في الصخرة أم في أسلوب دفعها أم في اختيار الطريق نفسه.
غير أن مراجعة المسار ليست مهمة سهلة كما تبدو. فالإنسان كثيرًا ما يخلط بين الثبات على المبدأ والتمسك بالوسيلة، وبين الإصرار المطلوب لتحقيق الأهداف والعناد الذي يمنعه من رؤية المتغيرات من حوله. ولهذا قد يستمر في دفع الصخرة سنوات طويلة وهو يعتقد أن مزيدًا من الجهد وحده كفيل بتحقيق النتيجة، بينما تكون المشكلة الحقيقية في الأسلوب أو في الطريق الذي اختاره منذ البداية.
كما أن التجارب الفردية والجماعية تثبت أن النجاح لا يتحقق دائمًا بزيادة الجهد، بل أحيانًا بإعادة توجيهه. فالتاريخ مليء بأشخاص ومؤسسات ومجتمعات لم تتقدم لأنها عملت أكثر من غيرها، وإنما لأنها امتلكت الشجاعة الكافية للتوقف عند اللحظة المناسبة، وإعادة طرح الأسئلة الأساسية: إلى أين نتجه؟ وهل ما زالت الأدوات التي نستخدمها قادرة على تحقيق الأهداف التي وُضعت من أجلها؟ وماذا تعلمنا من المحاولات السابقة؟
صحيح ان تخطي العقبات صعب في كثير من الاحيان الا ان الحلول عبر الابداع والابتكار ممكنه،و أول هذه الحلول هو امتلاك الشجاعة للاعتراف بأن بعض الطرق لم تعد صالحة. فالمراجعة ليست اعترافًا بالهزيمة، بل خطوة ضرورية نحو النجاح. وما من فكرة أو برنامج أو خطة تستحق أن تُعفى من التقييم والمساءلة لمجرد أنها قديمة أو مألوفة.
أما الحل الثاني فيتمثل في التعلم من التجارب السابقة. فالفشل لا يصبح عبئًا إلا عندما يمر دون استخلاص الدروس منه. وكل تجربة، مهما كانت مؤلمة، تحمل في داخلها معرفة يمكن أن تمنع تكرار الأخطاء نفسها.
ويكمن الحل الثالث في الانفتاح على الأفكار الجديدة. فكثير من الصخور تتدحرج لأن أصحابها يصرون على دفعها بالطريقة نفسها التي اعتادوا عليها، بينما قد يكون الحل في تغيير زاوية النظر، أو الاستفادة من خبرات الآخرين، أو تبني وسائل أكثر ملاءمة للواقع المتغير.
أما الحل الرابع فهو الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة التخطيط. فالذين يتحركون استجابة للأزمات فقط يظلون أسرى للأحداث، بينما يمنح التخطيط الإنسان القدرة على توقع العقبات والاستعداد لها قبل أن تتحول إلى أزمات.
ولا يقل أهمية عن ذلك بناء بيئة تسمح بالنقد والحوار. فالأفكار لا تنضج إلا بالمناقشة، والخطط تتحسن بالمراجعة، والقرارات تصبح أكثر صوابًا عندما تخضع لوجهات نظر متعددة. أما حين يغيب الحوار، فإن الأخطاء تميل إلى التكرار، وتصبح الصخرة أثقل في كل مرة.
وأخيرًا، ينبغي ألا يُقاس النجاح فقط بالوصول إلى القمة، بل أيضًا بمدى التقدم الذي تحقق في الطريق إليها. فكثير من الإنجازات الكبرى لم تولد من محاولة واحدة ناجحة، بل من سلسلة طويلة من المحاولات والتصحيحات والتعلم المستمر.
إن الدرس الأهم في أسطورة سيزيف ليس أن الصخرة تتدحرج في كل مرة، بل أن الإنسان يملك القدرة على أن يتعلم من تدحرجها. وبين من يكرر المحاولة ذاتها منتظرًا نتيجة مختلفة، ومن يراجع طريقه ويطور أدواته ويعيد بناء رؤيته، يتحدد الفارق بين الدوران في حلقة مغلقة والتقدم الحقيقي نحو المستقبل.
ولعل أكثر ما يحتاجه الإنسان، فردًا كان أو مؤسسة أو مجتمعًا، ليس المزيد من القوة فحسب، بل المزيد من الحكمة في توظيفها. فالقوة قد تدفع الصخرة إلى أعلى الجبل مرة أخرى، أما الحكمة فهي التي تساعد على فهم أسباب سقوطها، وتمنع تكرار المشهد ذاته جيلاً بعد جيل.
قد لا نملك دائماً القدرة على إزالة الصخور من طريقنا، لكننا نملك خياراً آخر: أن نجعل منها درجات نرتقي بها، لا جدراناً نختبئ خلفها. فهناك من يلتقط كل صخرة يتعثّر بها ويبني منها سلّماً يوصله إلى القمّة، وهناك من يحوّلها إلى جدار يحجب عنه الأفق، وبين الخيارين تُكتب الحكايات وتُصنع المصائر.

