هل تفتح التفاهمات الأمريكية–الإيرانية طريق إنهاء الحرب على غزة؟
الكاتب: جمال زقوت
بينما تتوصل واشنطن وطهران على تفاهمات لوقف الحرب، والتي قد تعيد رسم أولويات الإقليم، يبرز سؤال جوهري: هل يصبح إنهاء الحرب على غزة جزءاً من ترتيبات الاستقرار الجديدة، أم تبقى القضية الفلسطينية خارج معادلات التسوية رغم حضورها المتصاعد في الضمير العالمي؟
تتزايد المؤشرات على أن التفاهمات الأمريكية–الإيرانية تتجاوز في مضمونها الملف النووي إلى ترتيبات أمنية وسياسية أوسع تتعلق بمستقبل الإقليم واستقراره. ورغم أن تفاصيل هذه التفاهمات لم تتبلور بصورة نهائية بعد، فإنها تثير سؤالاً بالغ الأهمية بالنسبة للفلسطينيين وهو : هل يمكن أن تفتح الطريق أمام إنهاء الحرب على غزة، أم أنها ستؤدي إلى إعادة ترتيب أولويات المنطقة من دون معالجة جوهر المأساة الفلسطينية؟
من إدارة الحرب إلى البحث عن مخرج
طوال الأشهر الماضية، بدا أن الأطراف المختلفة تراهن على تحقيق مكاسب إضافية قبل الانتقال إلى مرحلة التسويات. غير أن استمرار الحرب، واتساع الكلفة الإنسانية، وتزايد الضغوط السياسية والدبلوماسية على إسرائيل، كلها عوامل دفعت باتجاه البحث عن مخرج يوقف القتال دون أن يظهر أي طرف بمظهر المهزوم بالكامل.
وفي هذا السياق، قد تكتسب التفاهمات الأمريكية–الإيرانية أهمية خاصة. فواشنطن التي تسعى إلى تثبيت استقرار إقليمي يسمح لها بالتركيز على أولويات دولية أخرى، لا تبدو معنية بإبقاء المنطقة رهينة لحرب مفتوحة قابلة للانفجار في أي لحظة. كما أن إيران، إذا نجحت في انتزاع تفاهمات تتعلق بالعقوبات أو بمكانتها الإقليمية، قد تجد مصلحة في تثبيت التهدئة على مختلف الجبهات المرتبطة بها.
ومن هنا يبرز احتمال أن تتحول غزة من ملف عالق خارج التفاهمات إلى أحد المستفيدين غير المباشرين منها، ليس لأن الأطراف المعنية وضعت حلاً للقضية الفلسطينية، بل لأن إنهاء الحرب قد يصبح ضرورة لخدمة ترتيبات إقليمية أوسع.
حدود القدرة الإسرائيلية
غير أن هذا الاحتمال لا يعني أن إسرائيل تخلت عن أهدافها أو غيّرت رؤيتها للحرب. فما زالت حكومة تل أبيب تسعى إلى ترجمة ما تعتبره إنجازات عسكرية إلى وقائع سياسية وأمنية طويلة الأمد، تضمن لها أكبر قدر من السيطرة على مستقبل القطاع.
لكن التجربة الممتدة منذ بداية الحرب أظهرت أيضاً حدود القوة العسكرية. فبرغم حجم الدمار الهائل والخسائر الإنسانية غير المسبوقة، لم تتمكن إسرائيل من فرض تصور سياسي مستقر لليوم التالي.
ولذلك فإن أي وقف للحرب، سواء جاء نتيجة تفاهمات إقليمية أو ضغوط دولية أو استنزاف متبادل، لن يحسم الأسئلة الأساسية المتعلقة بمستقبل غزة وهويتها السياسية والإدارية.
اليوم التالي للحرب: الأسئلة المؤجلة
قد يكون وقف القتال أقرب مما كان عليه في الأشهر السابقة، لكن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة إنهاء الأزمة. فالمعضلة الحقيقية تبدأ مع اليوم التالي.
من سيدير القطاع؟ وما طبيعة الترتيبات الأمنية؟ ومن الجهة الفلسطينية التي ستمثل غزة أمام العالم وأمام المانحين؟ وكيف يمكن منع العودة إلى دورة جديدة من الدمار والصراع؟
هذه الأسئلة لا تستطيع التفاهمات الأمريكية–الإيرانية الإجابة عنها، لأنها تتعلق أولاً وأخيراً بالوضع الفلسطيني الداخلي وبطبيعة النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل تمثيله الوطني.
الإعمار بين السياسة والتمويل
تكتسب هذه المعضلة أهمية مضاعفة عند الحديث عن إعادة الإعمار. فحجم الدمار الذي أصاب غزة يتجاوز بكثير ما شهدته الحروب السابقة، ما يعني أن عملية الإعمار ستحتاج إلى موارد مالية هائلة وإلى التزام عربي ودولي طويل الأمد.
غير أن الدول العربية والجهات المانحة لا تبدو مستعدة لتمويل دورة جديدة من الإعمار في ظل غياب رؤية سياسية واضحة أو مرجعية فلسطينية موحدة قادرة على إدارة العملية بكفاءة وشفافية.
ولذلك لم يعد السؤال يتعلق فقط بحجم الأموال المطلوبة، بل بوجود بيئة سياسية مستقرة تضمن أن تتحول إعادة الإعمار إلى مشروع للحياة والاستقرار، لا إلى محطة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التدمير.
المأزق الفلسطيني
في الوقت الذي تشهد فيه القضية الفلسطينية اتساعاً غير مسبوق في التعاطف والتأييد العالميين، يواجه الفلسطينيون واحدة من أعمق أزماتهم الداخلية. فالانقسام المستمر، وتعدد مراكز القرار، وتآكل شرعية المؤسسات الوطنية، كلها عوامل تحد من القدرة على استثمار التحولات الجارية في الساحة الدولية.
وتقع هنا مسؤولية خاصة على السلطة الفلسطينية وحركة حماس معاً. فالسلطة مطالبة بتجديد شرعيتها وإعادة بناء مؤسساتها على أسس الشراكة والتمثيل بعيدا عن الهيمنة والاقصاء ، فيما تصبح حماس مطالبة بإجراء مراجعات سياسية عميقة تفتح الباب أمام شراكة وطنية حقيقية تتجاوز منطق الانفراد. فبدون استعادة الوحدة الوطنية، سيبقى الفلسطينيون الحلقة الأضعف في أي ترتيبات إقليمية مقبلة، مهما بلغ حجم التعاطف الدولي مع قضيتهم.
بين التهدئة الإقليمية واستمرار الاحتلال
حتى لو نجحت التفاهمات الأمريكية–الإيرانية في خفض مستوى التوتر الإقليمي وإنهاء الحرب على غزة، فإن ذلك لن يغير حقيقة أساسية مفادها أن جذور الصراع ما زالت قائمة.
فالقضية الفلسطينية ليست أزمة إنسانية فحسب، ولا مجرد ملف أمني قابل للإدارة، بل قضية شعب يسعى إلى الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال. وقد أثبتت العقود الماضية أن تجاوز هذه الحقيقة أو تأجيلها لا يؤدي إلى اختفاء المشكلة، بل إلى عودتها بأشكال أكثر تعقيداً وكلفة.
ولذلك فإن أي استقرار إقليمي ينتج عن التفاهمات الجديدة سيظل هشاً ما لم يترافق مع مسار سياسي جاد يعالج الحقوق الوطنية الفلسطينية ويضع حداً لاستمرار الاحتلال والاستيطان وسياسات فرض الأمر الواقع.
استعادة المبادرة الوطنية
غير أن العامل الحاسم في مستقبل المرحلة المقبلة لن يكون فقط ما يُتفق عليه بين واشنطن وطهران، ولا حدود القوة الإسرائيلية أو الضغوط الدولية، بل قدرة الفلسطينيين أنفسهم على استعادة زمام المبادرة.
فالاختراق الحقيقي يبدأ بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية والتمثيل، والاتفاق على برنامج جامع يوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات المرحلة، ويجعل من حماية الوجود الفلسطيني وصموده أولوية مركزية.
وفي هذا السياق، سيما في ظل التحديات الخارجية والداخلية التي تواجهها اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، تبرز الحاجة القصوى لتشكيل حكومة توافق وطني غير فصائلية تحظى بتفويض سياسي من الكل الفلسطيني، بما يمكنها من العمل باعتبارها مرجعية انتقالية للاشراف على إدارة شؤون القطاع وجهود الإغاثة والإعمار، وتهيئة الظروف لمعالجة المأزق الفلسطيني الداخلي. وعلى أن تكون مهمتها الأساسية إعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية وتهيئة الطريق أمام انتخابات عامة، رئاسية وتشريعية، باعتبارها المدخل الرئيسي لتجديد النظام السياسي واستعادة وحدة التمثيل والقرار الفلسطيني وقطع الطريق على تل ابيب لتمزيق الكيانية الوطنية.
إن التفاهمات الأمريكية–الإيرانية قد تُسهم في فتح نافذة نحو إنهاء الحرب، وقد تساعد في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، لكنها لن تكون قادرة وحدها على رسم مستقبل غزة أو حل القضية الفلسطينية. فذلك سيظل مرتبطاً، قبل أي شيء آخر، بقدرة الفلسطينيين على تحويل ما راكمه شعبهم من صمود وتضحيات، وما حققته قضيتهم من حضور أخلاقي وسياسي متنامٍ في العالم، إلى مشروع وطني موحد قادر على فرض نفسه شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد موضوع لقرارات الآخرين.
فإذا كانت التفاهمات الإقليمية قد تفتح الباب أمام إنهاء الحرب، فإن ما سيحدد شكل المرحلة التالية هو ما إذا كان الفلسطينيون قادرين على عبور هذا الباب موحدين، أم أنهم سيدخلون إليه وهم لا يزالون أسرى الانقسام والأزمة نفسها التي رافقتهم طوال السنوات الماضية، وأعاقت قدرتهم على تحويل تضحيات شعبهم إلى إنجازات سياسية ووطنية مستدامة.

