الإِصْلَاحُ ضَرُورَةٌ وَطَنِيَّةٌ، حَتَّى وَإِنِ اقْتَرَنَ بِضُغُوطٍ خَارِجِيَّةٍ
الكاتب: د. محمد عودة
تواجه السلطة الفلسطينية اليوم أزمة مركبة تتجاوز حدود الإشكال الإداري أو السياسي التقليدي، لتصل إلى أزمة أعمق تتعلق بوظيفتها، وحدود صلاحياتها، وطبيعة علاقتها بالمجتمع الفلسطيني وبالإقليم والعالم. نشأت السلطة في سياق انتقالي كان يفترض أن يقود إلى تسوية سياسية شاملة، لكنها وجدت نفسها لاحقًا تعمل داخل بيئة سياسية غير مستقرة، تتداخل فيها الوقائع الميدانية مع الضغوط الإقليمية والدولية، دون أن تتبلور نهاية واضحة لهذا المسار.
تلعب الظروف الموضوعية، من خلال التدخلات الخارجية، دورًا محوريًا في صياغة بيئة العمل السياسي والإداري، سواء عبر المساعدات أو عبر مسارات التسوية أو عبر اشتراطات "الإصلاح". هذه التدخلات لا تأتي دائمًا بصيغة فرض مباشر، لكنها تُقدَّم في إطار دعم الاستقرار أو تعزيز الحوكمة أو تهيئة الظروف لحل سياسي مستقبلي. غير أن الإشكال الأساسي يكمن في أن الاستجابة لهذه الشروط غالبًا ما تتم داخل منطق ضاغط لا يترك هامشًا واسعًا للمراجعة الداخلية أو إعادة تعريف الأولويات الوطنية.
وهنا تظهر معضلة جوهرية؛ فبدل أن تكون الإجراءات الفلسطينية استحقاقات داخلية تشكل جزءًا من استراتيجية فلسطينية مستقلة، كان يجب أن تكون الاستجابة للضغوط الخارجية نتيجةً لها لا سببًا فيها، إلا أنها تتحول في كثير من الأحيان إلى سلسلة من التنازلات المتراكمة التي لا تقود بالضرورة إلى نتيجة سياسية مقابلة، وهو ما يمكن وصفه بـ"مأزق التنازل غير المنتج".
في المقابل، لا يمكن اختزال الأزمة في الظروف الموضوعية وحدها، إذ إن هناك اختلالات داخلية تتعلق بالبنية الإدارية والحوكمة، من بينها تضخم بعض الهياكل الوظيفية، وتداخل الصلاحيات، وضعف آليات المراجعة والمساءلة، بما يجعل الإصلاح مهمة مزدوجة: داخلية وخارجية في آن واحد.
ومن هنا، يصبح أي تصور للحل غير مكتمل إذا لم يجمع بين البعدين الداخلي والخارجي في مقاربة واحدة، تقوم على إعادة بناء الفاعلية المؤسسية بدل الاكتفاء بالاستجابة للضغوط الخارجية. وفي هذا الإطار، يمكن طرح مجموعة من الإجراءات العملية التي تشكل مدخلًا لإعادة التوازن داخل الجهاز الإداري.
في مقدمة هذه الإجراءات يأتي تقليص البطالة المقنعة، ولا سيما في الفئات العليا والمواقع الإدارية المتقدمة، حيث يشكل هذا التوسع عبئًا ماليًا وتنظيميًا لا يتناسب مع حجم الحاجة الفعلية. إن إعادة النظر في هذا التضخم الوظيفي، سواء عبر التقاعد المبكر أو إعادة الهيكلة، يمكن أن يؤدي إلى خفض ملموس في كلفة الرواتب، إذ إن إحالة مجموعة من الموظفين إلى التقاعد، وفق القانون الذي يحدد رواتبهم التقاعدية بنحو 70% من الراتب، تعني أن ما يقارب 30% من إجمالي كتلة رواتب هذه الفئة يمكن توفيره، بما يخفف العبء المالي على الموازنة العامة ويعيد قدرًا من التوازن بين النفقات والاحتياجات التشغيلية.
وفي السياق ذاته، يبرز تضخم الرتب والمواقع الإدارية والأمنية بشكل يفوق الحاجة التنظيمية الفعلية، ما يؤدي إلى تشوه في الهرم الإداري وتداخل في مستويات الصلاحيات دون انعكاس مباشر على تحسين الأداء أو رفع الكفاءة. إضافة إلى أن تكدس المهام في أيدي أشخاص محددين، بحيث يُكلَّف الفرد الواحد بعدة ملفات ومسؤوليات في الوقت نفسه رغم أن كل واحدة منها تتطلب تفرغًا كاملًا، يخلق ضغطًا إداريًا ويضعف جودة الإنجاز وسرعة اتخاذ القرار.
ومن الإشكاليات المرتبطة بذلك أيضًا ضعف مبدأ المراجعة الدورية للأداء وإعادة توزيع المهام، إذ إن استمرار إسناد الملف نفسه للشخص ذاته رغم عدم تحقيق نتائج ملموسة لا يضمن بالضرورة تحسين الأداء. فانتقال المهمة إلى كادر آخر أقدر قد يحقق نتائج أفضل، دون أن يعني ذلك بالضرورة ضعفًا عامًا في كفاءة الشخص الأول، الذي قد يكون أكثر فاعلية في مهام أخرى تتناسب مع قدراته. ومن هنا تبرز أهمية المرونة في توزيع المسؤوليات وتدويرها وفق معيار الكفاءة لا التثبيت الإداري.
كما يندرج ضمن هذه الحزمة الإصلاحية تقليص مظاهر المرافقة الأمنية والمواكب الخاصة بالمسؤولين إلى الحد الأدنى الوظيفي، بحيث لا تتحول إلى عبء إضافي على الموارد العامة أو إلى مسافة تفصل بين المسؤول والمجتمع، بما يعزز حضور المسؤول في المجال العام بشكل طبيعي ومنضبط ويقوي الثقة المتبادلة بدل العزل. فالمسؤول الذي لا يحميه شعبه لن يحميه نفر قليل من الأمن، مع تقديري لكل أفراد الأجهزة الأمنية.
ولتعزيز مبدأ العدالة داخل البنية الوظيفية، تبرز أيضًا مسألة إعادة النظر في هيكل الرواتب، خصوصًا في المستويات العليا، بما يحد من الفجوة الكبيرة بين الفئات الوظيفية المختلفة. فالمبالغة في تفاوت الرواتب قد تخلق خللًا في الإحساس بالعدالة الداخلية وتؤثر على تماسك المؤسسة.
كما أن كبار المسؤولين لا يتقاضون رواتب مرتفعة فحسب، بل تُضاف إليها امتيازات متعددة مثل السكن والمحروقات والنثريات والهواتف، ما يجعل الكلفة الفعلية لهذه المواقع أعلى بكثير من الراتب الأساسي. لذلك، وفي حال تعذر تقليص الرواتب بشكل مباشر، يمكن إعادة ضبط أو تقليص الامتيازات غير الضرورية، بما يحقق توازنًا أكبر بين طبيعة الوظيفة العامة وحجم الامتيازات الممنوحة، ويقلص الفجوة بين مختلف الشرائح في الوظيفة العمومية.
وفي النهاية، لا يمكن فصل هذا المسار الإصلاحي عن جوهر الأزمة، إذ إن استمرار الاستجابة للضغوط دون إعادة بناء داخلية حقيقية يرسخ "مأزق التنازل غير المنتج"، حيث تتحول الإجراءات إلى استجابات متكررة لا تُنتج تحولًا حقيقيًا في بنية السلطة أو في علاقتها بالمجتمع.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن الخروج من الأزمة ممكن عبر إجراءات تقنية أو إدارية فقط، بل يتطلب تصورًا سياسيًا واقتصاديًا أكثر شمولًا وإبداعًا يعيد تعريف وظيفة السلطة نفسها ضمن بيئتها الواقعية. فالحل لا يكمن في تحسين الإدارة فقط، بل في إعادة هندسة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين السلطة والإقليم بما يقلص الضغوط الخارجية، بحيث تتحول السلطة من كيان يُدار تحت الضغوط إلى كيان يملك القدرة على صياغة أولوياته الداخلية بوضوح.
ما يعني الانتقال من منطق الاستجابة دون برامج إلى منطق الرؤية المتكاملة، حيث تُربط الإصلاحات الإدارية بالهدف السياسي العام، وتُدار الموارد البشرية والمالية ضمن مشروع وطني واضح المعالم، لا ضمن ردود فعل متتالية. وفي هذا الإطار، يبرز البعد الاقتصادي كعنصر حاسم، من خلال العمل على تعزيز استقلالية الاقتصاد الفلسطيني وتقليل ارتباطه البنيوي بالاقتصاد الإسرائيلي، عبر سياسات تدريجية لتوطين الاقتصاد وتطوير القطاعات المحلية القادرة على خلق القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. إن هذا التوجه لا يهدف فقط إلى تقليل التبعية، بل أيضًا إلى توسيع قاعدة التشغيل وخلق فرص عمل جديدة، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويقوي قدرة المجتمع على الصمود الاقتصادي. ولا يفوتني أن جزءًا هامًا من توطين الاقتصاد يقتضي مقاطعة حقيقية للمنتجات الإسرائيلية دعمًا للمنتج المحلي.
كما يتطلب ذلك تعزيز الشفافية والمساءلة العامة كجزء من بنية الحكم، لا كإجراء تجميلي، بما يعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة، ويحوّل المشاركة الشعبية إلى عنصر فعّال في صياغة القرار. وبهذا المعنى، يصبح الإصلاح الحقيقي ليس مجرد تقليص أو ضبط، بل إعادة تأسيس للعلاقة بين السلطة والواقع، بما يفتح المجال أمام نموذج حكم أكثر توازنًا وواقعية وقدرة على الاستمرار على طريق إنجاز المشروع الوطني.

