من الشهادة إلى القدرة: كيف نعيد بناء التعليم الفلسطيني في مواجهة بطالة الخريجين؟
الكاتب: د. ياسر أبو بكر
بدايةً، لا بد من توجيه الشكر والتقدير للدكتورة سناء أبوشنب الشرافي على مقالها المهم حول العلاقة بين التعليم والبطالة وسوق العمل الفلسطيني. لقد وضعت يدها على جوهر الأزمة حين نقلت النقاش من دائرة اللوم السهل للجامعات والخريجين إلى سؤال أعمق: أي اقتصاد نملك؟ وأي سوق عمل يستطيع أن يستوعب طاقات الشباب الفلسطيني؟ وهذا مدخل ضروري لأي نقاش جاد.
لكنني، من زاوية التعليم والتعلّم، أرى أن المسألة تحتاج إلى خطوة إضافية. فالأزمة ليست فقط أن الاقتصاد الفلسطيني عاجز عن خلق الوظائف، بل إن نظام التعليم نفسه ما زال في كثير من جوانبه يهيئ الطالب لعالم يتراجع، لا لعالم يتشكل. نحن لا نعاني فقط من بطالة الخريجين، بل من بطالة الخيال التربوي ، أي من استمرار الاعتقاد بأن الشهادة وحدها تكفي، وأن الجامعة تنتهي عند تسليم شهادة لا عند بناء قدرة.
لقد تشكل وعي اجتماعي طويل يعتبر التعليم الجامعي طريق الخلاص الفردي. وهذا مفهوم في مجتمع عاش القهر والاحتلال والفقر ، فالعائلة الفلسطينية رأت في شهادة ابنها أو ابنتها تعويضا عن الحرمان، ورمزًا للكرامة، وجسرا نحو الأمان. لكن المشكلة أن السوق لم يعد يكافئ الشهادة بذاتها، بل يكافئ القدرة على إنتاج قيمة. وهنا تظهر الفجوة: جامعات تخرّج حملة شهادات، وسوق يحتاج إلى أصحاب مهارات، واقتصاد مقيد بالاحتلال لا يستطيع تحويل المعرفة إلى فرص كافية.
من الخطأ أن نقول إن الخريج الفلسطيني غير مؤهل بإطلاق. لدينا شباب يمتلكون ذكاءً وقدرة على التعلم والصمود تفوق ظروفهم. لكن التعليم، في كثير من الأحيان، لا يمنحهم ما يكفي من مهارات الانتقال: كيف يقرأون السوق؟ كيف يبنون مشروعا؟ كيف يحولون التخصص إلى خدمة؟ كيف يعملون ضمن فريق؟ كيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي؟ كيف يبيعون مهارة رقمية خارج الحدود؟ كيف يتعلمون ذاتيا بعد التخرج؟ هذه الأسئلة لا تزال هامشية في كثير من البرامج الجامعية، مع أنها أصبحت في قلب الاقتصاد الجديد.
الاحتلال مسؤول رئيسي عن تشويه سوق العمل الفلسطيني، وهذا لا يجوز تخفيفه أو تجميله. فقد حاصر الأرض والموارد، وأضعف الصناعة والزراعة، وربط آلاف الأسر باقتصاد التصاريح" كما وصفته الدكتورة سناء" ، ثم كشف بعد السابع من أكتوبر هشاشة هذا النموذج حين أُغلقت أبواب العمل فجأة أمام عشرات الآلاف. لكن الاعتراف بمسؤولية الاحتلال لا يعفينا من مسؤوليتنا الداخلية. لا يكفي أن نقول إن الاقتصاد محاصر ، علينا أن نسأل: هل تعليمنا مقاوم للحصار أم متكيف معه فقط؟ هل يفتح بدائل أم ينتظر الوظيفة؟ هل يصنع منتجا ومبادرة أم يكرر ثقافة الطابور؟
المطلوب اليوم ليس إصلاحًا تجميليًا في الخطط الدراسية، بل إعادة هندسة فلسفة التعليم العالي. يجب أن ينتقل التعليم الفلسطيني من نموذج " التخصص ثم البحث عن وظيفة " إلى نموذج " التعلم من أجل إنتاج قيمة ". وهذا يعني أن كل برنامج جامعي، سواء كان في التربية أو الهندسة أو العلوم الإنسانية أو الاقتصاد أو الإعلام، يجب أن يجيب عن سؤال واضح: ما القيمة التي يستطيع الخريج إنتاجها؟ ولمن؟ وبأي مهارة؟ وفي أي سوق: محلي، عربي، رقمي، أو عالمي؟
التعليم المهني والتقني يجب أن يتحرر من صورته الاجتماعية المتدنية. لا يمكن لمجتمع يريد اقتصادًا منتجًا أن ينظر إلى المهارة اليدوية والتقنية بوصفها خيارًا أدنى. المجتمعات التي تبني اقتصادًا حقيقيًا لا تفصل بين العقل واليد. الفني الماهر، والمبرمج، والمزارع الذكي، ومصمم الأنظمة، ومشغل الآلات، وخبير الطاقة، ومطور التطبيقات، كلهم جزء من طبقة الإنتاج الوطني. لذلك، فإن إعادة الاعتبار للتعليم المهني ليست قضية تربوية فقط، بل قضية كرامة اقتصادية وسيادة وطنية.
كذلك، لا بد من إدخال الاقتصاد الرقمي إلى قلب النقاش. فلسطين محاصرة جغرافيا، لكن بعض المهارات تستطيع عبور الحواجز. العمل الحر، والتصميم، والبرمجة، والترجمة، والتعليم الإلكتروني، وتحليل البيانات، والتسويق الرقمي، وإنتاج المحتوى، وخدمات الذكاء الاصطناعي، ليست بديلًا كاملًا عن الاقتصاد الإنتاجي، لكنها نافذة مهمة لشباب يعيشون في سوق محلي محدود. ومن الظلم أن يتخرج طالب جامعي اليوم دون أن يمتلك حدًا أدنى من الثقافة الرقمية واللغة المهنية ومهارات العمل عن بعد.
كما يجب أن تتغير علاقة الجامعة بالمجتمع والقطاع الخاص. الجامعة ليست جزيرة أكاديمية، والقطاع الخاص ليس مجرد مكان للتدريب الشكلي. المطلوب مجالس مهارات حقيقية في كل محافظة، تضم الجامعات، والغرف التجارية، والبلديات، والنقابات، والقطاع الخاص، والمؤسسات الحكومية، بهدف تحديد المهارات المطلوبة سنويا، وتحديث البرامج بناءً عليها. لا يعقل أن تتغير التكنولوجيا كل ستة أشهر، بينما تبقى بعض الخطط الدراسية سنوات طويلة بلا مراجعة عميقة.
ومن زاوية التعلم، يجب أن يصبح الطالب منتجًا لا متلقيًا. المحاضرة التقليدية التي تضع الطالب في موقع المستمع لم تعد كافية. نحتاج إلى تعلم قائم على المشاريع، والمشكلات، والتدريب العملي، والمحاكاة، والمبادرات المجتمعية، والشركات الطلابية الصغيرة. يجب أن يتخرج الطالب وفي ملفه ليس فقط كشف علامات، بل نماذج أعمال، ومشاريع، وتجارب، ومنتجات، وروابط رقمية، وشهادات مهارية، وسيرة قدرة حقيقية.
الأهم من ذلك أن نعيد تعريف النجاح. ليس النجاح أن نضيف آلاف الخريجين إلى قوائم الانتظار، بل أن نمنحهم أدوات الفعل. وليس النجاح أن نحافظ على هيبة الشهادة، بل أن نعيد للشهادة معناها العملي والأخلاقي. فالشهادة التي لا تساعد صاحبها على التفكير والعمل والإنتاج وخدمة مجتمعه تتحول إلى ورقة جميلة في اقتصاد قاسٍ.
إن مقال الدكتورة سناء يفتح بابًا مهمًا حول الأزمة الهيكلية في سوق العمل، وما أضيفه هنا أن مواجهة هذه الأزمة تبدأ أيضًا من الصف الجامعي، من طريقة التدريس، من فلسفة المنهاج، من نظرة الأسرة للتخصص، ومن شجاعة المؤسسة التعليمية في الاعتراف بأن الزمن تغير. نحن بحاجة إلى تعليم لا يبيع الوهم للطلبة، ولا يقول لهم إن الوظيفة بانتظارهم، بل يقول لهم الحقيقة: العالم صعب، والاحتلال يخنق الاقتصاد، والسوق محدود، لكن المعرفة حين تتحول إلى مهارة ومبادرة وقدرة يمكن أن تفتح مسارات جديدة.
الخلاصة أن فلسطين لا تحتاج إلى خريجين أكثر فقط، بل إلى متعلمين قادرين على صناعة المعنى والقيمة والفرصة ، والمستقبل . نحتاج إلى جامعة لا تخرّج باحثين عن عمل فحسب، بل تبني عقولًا قادرة على خلق العمل، وتطوير المجتمع، ومقاومة التبعية. هنا يصبح التعليم فعل تحرر، لا مجرد طريق إلى وظيفة. وهنا تتحول الشهادة من محطة انتظار إلى أداة بناء وطني.

