حين تتأخر العدالة… حقوق النساء رهينة بطء التقاضي في المحاكم الشرعية بسبب الظروف الراهنة
الكاتب: المحامية غادة وهدان- مستشارة قانونية في جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية
تلجأ النساء إلى المحاكم الشرعية بحثاً عن حقوق طال انتظارها، مثل النفقة والطلاق والحضانة، إلا أن الواقع يكشف أن طريق العدالة ليس دائماً ميسّراً، بل تحيط به التأجيلات والإجراءات المعقدة التي تُطيل أمد التقاضي وتُضعف فرص حصول النساء على حقوقهن في الوقت المناسب.
ويبرز هنا تساؤل مهم: ما أسباب بطء إجراءات التقاضي وإطالة أمد الدعاوى في المحاكم الشرعية؟
تمر الدعوى القضائية في هذه المرحلة بحالة من البطء الشديد، إذ لا يمكن أن تسير بصورة سليمة دون استكمال إجراءات التبليغ القانونية بشكل صحيح. فالدعوى تقوم على سلسلة من الإجراءات المترابطة، وأي خلل في أحد عناصرها ينعكس على مجمل سيرها. ويمكن تشبيه هذه الإجراءات بشبكة مترابطة؛ فإذا أصاب الخلل جزءاً منها، تأثرت الشبكة بأكملها.
وتُعد التبليغات القضائية العمود الفقري للدعوى الشرعية، إلا أنها أصبحت تشكل إحدى أبرز العقبات التي تعيق سير القضايا. فتعذر تبليغ الخصوم أو التهرب من استلام التبليغات يؤدي إلى تأجيل الجلسات بصورة متكررة، الأمر الذي يطيل أمد التقاضي ويؤخر الفصل في الدعاوى.
وتزداد هذه المشكلة تعقيداً في ظل قلة عدد الموظفين المختصين بالتبليغات، وصعوبة التنقل بين المناطق نتيجة الظروف الراهنة والقيود المفروضة، مما ينعكس بشكل مباشر على النساء اللواتي يبقين دون حماية قانونية أو مورد مالي، بانتظار استكمال إجراء قد يبدو شكلياً، لكنه حاسم في مسار الدعوى.
ولا تقل مشكلة طول أمد التقاضي خطورة عن مشكلة التبليغات، إذ تمتد بعض القضايا لسنوات نتيجة تراكم الملفات وكثرة التأجيلات. وهذا البطء لا يرهق النساء نفسياً واقتصادياً فحسب، بل قد يدفع بعضهن إلى التنازل عن حقوقهن أو القبول بتسويات غير عادلة هرباً من الانتظار الطويل.
كما تتفاقم هذه الإشكاليات مع النقص الواضح في عدد القضاة والموظفين في المحاكم الشرعية مقارنة بحجم القضايا المتزايد. فقلة الكوادر تؤدي إلى تأخير تسجيل الدعاوى، وتباعد مواعيد الجلسات، وبطء تنفيذ الأحكام، الأمر الذي يضعف ثقة المتقاضين، وخاصة النساء، بقدرة القضاء على توفير الحماية القانونية الفاعلة.
إن بطء العدالة في قضايا الأحوال الشخصية لا يُعد مجرد خلل إداري، بل يمثل إشكالية حقوقية تمس حق النساء في الوصول إلى العدالة. فحين تتأخر الأحكام، تتعطل الحقوق، ويُهدد الاستقرار الأسري، وتُمس الكرامة الإنسانية.
فعلى سبيل المثال، توجد إحدى المحاكم الشرعية في الضفة الغربية دون موظف مختص بالتبليغات، نتيجة وقف إجراءات التوظيف من جهة، وإحالة الموظف المختص سابقاً إلى التقاعد من جهة أخرى، دون توفير بديل له. وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً: إلى متى سيستمر هذا الواقع؟
إن إصلاح واقع المحاكم الشرعية بات ضرورة ملحة، تبدأ بتطوير وتسريع إجراءات التبليغات القضائية، وزيادة عدد الموظفين المختصين بها، وتسريع الفصل في القضايا المستعجلة، وتعزيز الكادر القضائي والإداري، بما يضمن عدالة فعالة ومنصفة لا تترك النساء رهينات الانتظار.
فالعدالة المتأخرة تشكل عائقاً حقيقياً أمام وصول النساء إلى العدالة، وقد تحول دون تمتعهن بحقوقهن الأساسية في الوقت المناسب.

