الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 3:55 AM
الظهر 12:42 PM
العصر 4:22 PM
المغرب 7:54 PM
العشاء 9:27 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

نقطة أمل: أملٌ تمشي على قدميها

الكاتب: د. عدنان ملحم

في فلسطين، حيث تتعانق الحكايات مع أشجار الزيتون، وتولد الأحلام من بين حجارة القرى الصابرة، خرجت من قيرة إنسانة  اسمها أمل، وكأن الاسم كان نبوءة مبكرة لحياة كُتبت على هيئة رحلة طويلة من الكفاح والإصرار والانتصار.

هناك، بين حقول الأرض التي حرثها الأب بيديه، وبين دعوات أمٍّ آمنت أن العلم هو الميراث الأجمل لأبنائها وبناتها، تشكلت ملامح الدكتورة أمل علي عبدو. لم تكن ابنة قرية فحسب، بل ابنة قيمٍ فلسطينية أصيلة، تعلّمت أن الكرامة تُزرع كما تُزرع السنابل، وأن المعرفة شجرة لا تذبل مهما اشتدت عليها الفصول.

مضت في طريقها كما يمضي النهر نحو البحر؛ هادئة في ظاهرها، عنيدة في أعماقها. من مدرسة كفل حارس إلى مدرجات الجامعات، ومن البكالوريوس إلى الماجستير ثم الدكتوراه، كانت تحمل يقينًا راسخًا بأن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، بل بما يصنعه من أثر في حياة الآخرين.

وحين أغلقت بعض الأبواب في وجهها، لم تجلس على عتبات الانتظار. أدركت مبكرًا أن الرسالة أكبر من الوظيفة، وأن خدمة الإنسان لا تحتاج إلى لقب بقدر ما تحتاج إلى قلب. فوجدت نفسها في ميادين العمل الأهلي، بين الفئات المهمشة وذوي الإعاقة والمحتاجين إلى من يؤمن بقدراتهم قبل احتياجاتهم. هناك لم تكن تدير مؤسسة فقط، بل كانت تزرع كرامةً وأملًا في نفوس الناس، وتؤمن أن التنمية الحقيقية تبدأ من احترام الإنسان.

لكن الحياة، التي تمنحنا أجمل الدروس، غالبًا ما تكتبها بحبر الألم ، فبعد رحيل والدتها، ذلك الجرح الذي لا يلتئم بسهولة، وجدت أمل نفسها أمام امتحان آخر أشد قسوة. جاء المرض كضيف ثقيل لا يستأذن، وحمل معه كلمة يخشاها البشر جميعًا: السرطان.

في تلك اللحظة، لم تكن تواجه مرضًا فحسب، بل كانت تواجه أسئلة الوجود كلها. كانت تقف على الحد الفاصل بين الخوف والرجاء، بين الدموع والصبر، بين الانكسار والقوة. لكنها فعلت ما يفعله الأقوياء حقًا: لم تنكر خوفها، ولم تستسلم له.

سافرت، وتعالجت، وتألمت، وتساقط شعرها كما تتساقط أوراق الخريف، لكنها كانت تعرف أن الأشجار العظيمة لا تموت في الخريف، بل تستعد لربيع جديد.

كانت تدخل جلسات العلاج الكيماوي بقلب امرأة تعرف أن المعارك الحقيقية لا تُخاض بالسلاح، بل بالإيمان. ومع كل جرعة دواء، كانت تهزم جزءًا من المرض، وتكتشف جزءًا جديدًا من نفسها. وحين نظرت يومًا إلى ندبة العملية، لم ترَ فيها أثر جرح، بل وسام نجاة.

خرجت من تلك المعركة مختلفة. أكثر حكمة، وأكثر رحمة، وأكثر قربًا من جوهر الحياة. وكأن المرض لم يأتِ ليكسرها، بل ليكشف لها حجم القوة المختبئة في روحها.

ولعل أجمل ما في الدكتورة أمل أنها لم تسمح للعلم أن يسرق إنسانيتها، ولا للعمل العام أن يسرق رقتها. فهي تكتب كما تعيش؛ تؤمن بأن الكلمة الصادقة أثمن من ضجيج الكلام، وأن القيمة الحقيقية للأشياء تأتي من معناها لا من كثرتها. وتؤمن كذلك أن التردد هو الوجه الآخر للهزيمة، وأن الخطوة الأولى، مهما كانت صغيرة، هي بداية كل إنجاز عظيم.

إن سيرة الدكتورة أمل علي عبدو ليست قصة نجاح شخصية فحسب، بل حكاية فلسطينية جميلة عن ابنة قرية آمنت بالعلم، وخدمت الناس، وانتصرت على المرض، وبقيت وفية لاسمها.

هي امرأة لم تجعلها المحن أكثر قسوة، بل أكثر إنسانية.امرأة خرجت من حقول قيرة، لكنها حملت فلسطين كلها في قلبها.

وحين يسأل أحدهم عن معنى الأمل، قد لا يحتاج إلى تعريفٍ طويل؛ يكفيه أن يتأمل هذه السيرة، ليعرف أن بعض الناس لا يحملون الأمل في أسمائهم فقط، بل يمشون به بين الناس نورًا وعطاءً وحياة.

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...