الخليج بين أمريكا وإيران: هل تفتح التفاهمات الجديدة طريقاً إلى استقرار المنطقة؟
الكاتب: د. عبدالرحيم جاموس
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تبرز اللقاءات الخليجية–الأمريكية الأخيرة بوصفها مؤشراً على مرحلة سياسية جديدة تتجاوز إدارة الأزمات الآنية نحو البحث عن أسس أكثر استدامة للأمن والاستقرار الإقليمي. فالتوترات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، والحروب والصراعات التي استنزفت شعوبها ومواردها، دفعت مختلف الأطراف إلى إعادة النظر في كلفة الصراع وجدوى استمرار سياساته.
ولم يعد أمن الخليج العربي قضية تخص دوله وحدها، كما لم يعد شأناً أمريكياً أو إيرانياً منفرداً، بل أصبح عنصراً أساسياً في معادلة الأمن والاستقرار الدوليين.
فمن هذه المنطقة يمر جزء كبير من تجارة العالم وإمدادات الطاقة، وفيها تتقاطع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الكبرى والدول الإقليمية على حد سواء.
لقد أثبتت التجربة أن منطق القوة وحده لم ينجح في إنتاج منظومة أمنية مستقرة، كما أن محاولات فرض الإرادات أو تحقيق الأمن على حساب الآخرين لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من التوتر وعدم اليقين.
ولذلك يبدو أن المنطقة تقف اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة إدارة الصراعات إلى مرحلة صناعة الاستقرار.
غير أن الاستقرار المنشود لا يمكن أن يكون مجرد غياب للحرب أو خفض لمستوى التوتر، بل هو عملية سياسية واقتصادية وأمنية متكاملة، تقوم على بناء الثقة المتبادلة، واحترام السيادة الوطنية، وحسن الجوار، والاعتراف بالمصالح المشروعة لجميع الأطراف. فالسلام الحقيقي لا يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة فحسب، وإنما بقدرته على معالجة أسباب الصراع وإزالة مصادر القلق وعدم الاستقرار.
وتدرك دول الخليج العربية أن نجاح مشاريعها التنموية الكبرى وخططها الطموحة للتحول الاقتصادي يتطلب بيئة إقليمية مستقرة وآمنة. فالتنمية تحتاج إلى الاستقرار، والاستثمار يحتاج إلى الثقة، والمستقبل لا يُبنى في ظل الحروب المفتوحة والأزمات الدائمة.
ومن هنا جاء الحرص الخليجي المتزايد على دعم مسارات الحوار وخفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية على المواجهات العسكرية.
وفي المقابل، تبدو إيران أمام استحقاق تاريخي يتمثل في الانتقال من منطق الصراع والنفوذ إلى منطق الشراكة والتعاون الإقليمي. فالجغرافيا تفرض حقائق لا يمكن تجاوزها، وأمن الخليج سيظل مصلحة مشتركة لجميع الدول المطلة عليه. كما أن الاستقرار الإقليمي يوفر لجميع شعوب المنطقة فرصاً أكبر للتنمية والازدهار والتقدم.
أما الولايات المتحدة، فإنها تدرك أن استقرار الخليج لم يعد مجرد مسألة تتعلق بأمن الحلفاء التقليديين، بل يرتبط أيضاً باستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلامة الممرات البحرية الدولية. ولذلك فإن أي تفاهمات أمريكية–إيرانية لن يكتب لها النجاح ما لم تأخذ في الاعتبار مصالح دول الخليج وهواجسها الأمنية المشروعة، وما لم تسهم في بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً وأقل توتراً.
غير أن أي حديث عن الأمن والاستقرار في الخليج والشرق الأوسط يبقى ناقصاً إذا جرى تجاهل القضية الفلسطينية أو التعامل معها باعتبارها ملفاً منفصلاً عن معادلات الأمن الإقليمي.
فالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً قضية حدود أو نزاع محلي فحسب، بل كانت وما تزال جوهر الصراع السياسي والتاريخي في المنطقة، وأحد أبرز الاختبارات الحقيقية لقدرة النظام الدولي على تطبيق مبادئ العدالة والقانون الدولي على الجميع دون استثناء.
لقد أثبتت العقود الماضية أن محاولات تجاوز القضية الفلسطينية أو تهميشها لم تنجح في إنتاج سلام حقيقي أو استقرار دائم، بل أسهمت في إبقاء المنطقة رهينة أزمات متلاحقة وانفجارات دورية للعنف والتوتر. كما أثبت الشعب الفلسطيني، رغم ما تعرض له من احتلال وحروب وحصار وتهجير، أنه لم يفقد تمسكه بحقوقه الوطنية المشروعة ولا إرادته في البقاء والصمود والدفاع عن هويته الوطنية ووجوده التاريخي على أرضه.
ومن هنا فإن أي مشروع جاد لبناء منظومة أمن إقليمي جديدة لا يمكن أن يقتصر على التفاهمات العسكرية أو الترتيبات الأمنية أو المصالح الاقتصادية وحدها، بل يجب أن يتضمن رؤية سياسية عادلة لمعالجة القضية الفلسطينية باعتبارها جزءاً أصيلاً من معادلة الاستقرار الإقليمي. فالأمن الذي يتجاهل حقوق الشعوب المشروعة يبقى هشاً وقابلاً للاهتزاز، بينما الأمن القائم على العدالة والحقوق والاحترام المتبادل يمتلك فرصاً أكبر للاستمرار والديمومة.
وفي هذا السياق، فإن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تنتصر إرادة الشراكة والحوار والتنمية، وإما أن تستمر دوامة الصراعات التي استنزفت شعوبه لعقود طويلة. وبين أمن الخليج واستقرار المنطقة وحقوق الشعب الفلسطيني خيط واحد لا ينفصم، عنوانه
العدالة والسلام والتنمية المشتركة. فهذه القضايا ليست ملفات منفصلة، بل عناصر مترابطة في معادلة واحدة، يؤثر كل منها في الآخر ويتأثر به.
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المنطقة اليوم لا يقتصر على منع الحرب المقبلة، بل يتمثل في بناء السلام التالي.
سلامٌ يقوم على الشراكة بدلاً من الهيمنة، وعلى التعاون بدلاً من الصراع، وعلى التنمية بدلاً من الاستنزاف، وعلى احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب بدلاً من فرض الأمر الواقع بالقوة.
فالأمن الذي لا يستند إلى العدالة يبقى هشاً مهما امتلك من أدوات القوة، أما السلام الذي يقوم على الحقوق والاحترام المتبادل والتعاون المشترك فهو وحده القادر على صناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للجميع.
وفي نهاية المطاف، يبقى مستقبل المنطقة رهناً بقدرة دولها وقواها الفاعلة على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة الحلول، ومن حسابات الصراع إلى آفاق التعاون، ومن توازنات الخوف إلى شراكات المصالح المشتركة.
فلا استقرار دائماً في الشرق الأوسط دون استقرار الخليج، ولا استقرار دائماً للخليج دون معالجة عادلة للقضية الفلسطينية، ولا سلام حقيقياً دون عدالة. تلك ليست مجرد شعارات سياسية، بل حقائق تؤكدها الجغرافيا، وتثبتها التجربة، ويفرضها مستقبل المنطقة وأجيالها القادمة.

