الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 3:56 AM
الظهر 12:42 PM
العصر 4:22 PM
المغرب 7:55 PM
العشاء 9:27 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

عماد الدين جاموس .. حين يرحل الجنود المجهولون .. من يكتب سيرتهم ؟

الكاتب: د. ياسر أبوبكر

في كل مرة يرحل فيها واحد من أبناء هذا الوطن، نتوقف عند اسمه، لكننا كثيرًا ما نعجز عن التوقف عند سيرته. ليس لأنه لم يصنع تاريخاً، بل لأن بعض الرجال كانوا يؤمنون أن الفعل أهم من الرواية، وأن التضحية أصدق من الظهور، وأن الوطن لا يُبنى بالأضواء، وإنما بالرجال الذين يعملون في الظل.

برحيل المناضل أبي كريم، عماد الدين شكري جاموس، تستيقظ في ذاكرتنا صورة جيل كامل من أبناء حركة فتح، أولئك الذين حملوا القضية على أكتافهم، وعملوا بصمت، ولم يطلبوا يومًا لقباً ولا منصباً ولا شهرة.

لا نعرف عن أبي كريم كل التفاصيل، لكننا نعرف ما يكفي لنفهم أنه كان من أولئك الفدائيين الذين انخرطوا في العمل الوطني، وأسهموا في مسيرة الثورة، وكان لهم دور في القطاع الغربي (جهاز الأرض المحتلة)، وهو أحد أكثر ميادين العمل الوطني حساسية وخطورة، حيث كانت المهمة تُنجز في صمت، ويظل صاحبها مجهولًا حفاظًا على الوطن والرفاق.

لقد كان هذا الجيل يؤمن بأن النجاح الحقيقي هو أن تنجح المهمة، لا أن يُعرف منفذها. ولذلك بقي كثير منهم بعيدين عن صفحات الكتب، رغم أنهم كانوا جزءًا من صناعة تاريخ فلسطين المعاصر.

وأنا أكتب عن أبي كريم، لا أستطيع إلا أن أتذكر والدي، رحمه الله، الذي كان هو الآخر من الجنود المجهولين. كان من أوائل أبناء الحركة، ومن مؤسسيها، لكنه لم يكن ممن يبحثون عن الأضواء. عاش مؤمناً أن الانتماء مسؤولية، وأن خدمة الوطن شرف لا يحتاج إلى شهادة من أحد.

هكذا كان كثير من رجال فتح الأوائل. كانوا يعرفون أن أسماءهم قد لا تُكتب في الصحف، وأن صورهم قد لا تُعلّق على الجدران، لكنهم كانوا على يقين أن فلسطين تحفظ أبناءها، وإن تأخر الناس في حفظ أسمائهم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن ينسى جنوده المجهولين، لأن الأمم لا يحفظ تاريخها القادة وحدهم، بل يحفظه أيضًا أولئك الذين حملوا الرسائل، وأخفوا السلاح، وعبروا الحدود، وربّوا الكوادر، وصنعوا الانتصارات، ثم عادوا إلى بيوتهم دون أن ينتظروا كلمة شكر.

لقد عُرف المناضل  أبوكريم بدوره في الثورة الفلسطينية، وعمله في القطاع الغربي، وإسهامه في إعداد أجيال من الفدائيين، وجسد في هذا المدرسة الوطنية التي أورثت أبناءها معنى الالتزام قبل معنى الظهور. وهي مدرسة خرج منها رجال كثيرون ظلوا أوفياء لفلسطين حتى آخر العمر.

إن الوفاء الحقيقي لأبي كريم، ولكل من يشبهه، لا يكون بكلمات الرثاء وحدها، بل بإعادة الاعتبار لسير هؤلاء الرجال، وتوثيق أدوارهم، وجمع شهاداتهم، حتى لا يضيع جزء مهم من الذاكرة الوطنية الفلسطينية.

رحم الله أبا كريم عماد الدين جاموس، ورحم جميع الجنود المجهولين الذين كتبوا تاريخ فلسطين بأفعالهم أكثر مما كتبوه بأسمائهم.

فالتاريخ لا يصنعه الذين يتصدرون المشهد وحدهم، وإنما يصنعه أيضًا أولئك الذين وقفوا خلف الستار، يحملون الوطن على أكتافهم، ثم يمضون بصمت .. تاركين لنا مسؤولية أن نذكرهم، وأن نقول للأجيال القادمة: 
هؤلاء كانوا هنا، ولولاهم لما بقيت الراية مرفوعة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...