الانفكاك المستحيل
الكاتب: عمر حلمي الغول
العلاقات الأميركية الصهيونية تمتد لحقبة تاريخية طويلة، سابقة على وجود دولة إسرائيل اللقيطة، ومنذ انبثق المذهب البروتستانتي (الإنجيلي) من رحم الديانة المسيحية، في القرن السادس عشر، الذي ظهر كحركة إصلاحية واحتجاجية في أوروبا، على يد القس الألماني مارتن لوثر، ويعتبر أحد المذاهب الثلاثة الرئيسية في المسيحية. وأصل هذا المذهب للمسيحانية الصهيونية. وامتدادا لذلك، ساهمت الولايات المتحدة الأميركية الى جانب المملكة المتحدة في إصدار وعد بلفور المشؤوم في 2 تشرين ثاني / نوفمبر 1917، الذي دعا لإقامة "وطن قومي لليهود الصهاينة" في فلسطين التاريخية على أنقاض نكبة الشعب العربي الفلسطيني، ووقفت خلف تبني عصبة الأمم لصك الانتداب البريطاني في تموز / يوليو 1933، وكانت من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة العبرية في عام 1948، وتوطدت العلاقات بين واشطن وتل ابيب تاريخيا عبر الاتفاقيات العسكرية السرية والعلنية، حيث التزمت اميركا بتقديم الدعم السنوي السخي في المجالات المختلفة
ومن المفارقات الهامة في ترسيخ التعاون العسكري الرسمي بين السادة الاميركيين واداتهم الوظيفية – إسرائيل -، انه بدأ بشكل فعلي يوم 23 يوليو 1952، أي يوم الثورة المصرية الخالدة على النظام الملكي في مصر العربية، عندما وقع الطرفان اتفاقا لتقديم الدعم اللوجستي الثنائي، تلته مذكرة اتفاق حول التعاون السياسي والأمني والاقتصادي بينهما، حسب المصادر الإسرائيلية. مما يؤكد أن "العلاقات بين البلدين علاقات استراتيجية راسخة"، تؤكدها جملة لا يتوانى عن تردادها المسؤولين في كلا البلدين، تلهج بها السنتهم، كلما جمعتهما لقاءات ثنائية مشتركة، وحتى في لحظات التوتر التي تشهدها هذه العلاقة من حين لآخر، كما حدث في عهد ولاية الرئيس بوش الاب عشية انعقاد مؤتمر مدريد 1991، وفي عهد الرئيس باراك أوباما 2008 – 2016، والان في عهد ولاية الرئيس دونالد ترمب 2026، التي اعتبرها أوباما بأنها "خلافات عائلية"، سرعان ما تجد طريقها الى الحل.
أهمية وقيمة ما ورد أعلاه، يرتبط بالرؤية الإسرائيلية الجديدة لعلاقات التعاون مع الولايات المتحدة، حول الانتقال من نموذج "المساعدات الأحادية" السنوية، الى بناء شراكة استراتيجية وتكامل صناعي كامل، تسعى إسرائيل الى تثبيت وترسيخ تفوقها العسكري محليا وإقليميا عبر تعميق الشراكة في البحث والتطوير والإنتاج الدفاعي المشترك، مستفيدة من تشريعات استخباراتية أميركية غير مسبوقة، تدمج مصالحها بقوانين الأمن القومي الأميركي.
وتتضمن هذه الرؤية عدة أسس استراتيجية رئيسية: أولا التحول الى الشراكة المتبادلة، التي تهدف المباحثات بشأنها، التي بدأت في 5 حزيران / يونيو الحالي، الى صياغة إطار جديد للتعاون يتجاوز سقف المساعدات العسكرية السنوية التقليدية، ليصبح تكاملا استراتيجيا في مجالات التكنولوجيا؛ ثانيا دمج المصالح بالتشريعات الأميركية، حيث تدفع إسرائيل للارتقاء بالتعاون الى مستوى غير مسبوق، من خلال تشريعات أميركية تضمن مشاركتها الدائمة في منظومات التخطيط العسكري والاستخباراتي وربط شركات السلاح الأميركية والإسرائيلية؛ ثالثا توسيع التحالف خارج الشرق الأوسط، وتهدف الى ادخال أطر دبلوماسية إقليمية جديدة (مثل "اتفاقيات إسحاق")، التي طرحها الرئيس الارجنتيني خافيير ميلي في 14 كانون ثاني / يناير 2025، كإطار يستهدف تعميم تجربة " اتفاقات ابرهام" الى فضاء دول اميركا اللاتينية – الأطراف البعيدة، في محاولة لبناء شبكة علاقات أمنية وتكنولوجية وتجارية جديدة مع إسرائيل؛ رابعا تباين الأولويات، على الرغم من هذا التعاون الوثيق، تبرز بين الحين والآخر خلافات في الرؤى التكتيكية، حيث تفضل إسرائيل اتخاذ خطوات سريعة وحاسمة لتقليص قدرات دول مثل إيران، بينما توازن واشنطن بين خيار الردع العسكري وضرورة تجنب التصعيد الإقليمي الشامل.
ومن التشريعات الأميركية التي تستند إسرائيل الى الاعتماد عليها: أولا قانون الشراكة الدفاعية بين البلدين، الذي تبناه الكونغرس في دورات عدة، وتم تحويله الى البنتاغون للتعاون مع وزارة الحرب الإسرائيلية، لإجراء أبحاث وتطوير واختبار مشترك للتقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي، الروبوتات وأنظمة مكافحة الطائرات المسيرة؛ ثانيا قانون تفويض الدفاع الوطني، الذي يخصص بموجبه الكونغرس مئات الملايين من الدولارات لتمويل برامج الدفاع الصاروخي المشتركة، وتوفير أنظمة الاعتراض المتطورة التي تحتاجها إسرائيل؛ ثالثا قانون التفوق العسكري النوعي، الذي يلزم واشنطن إلزاما قانونيا بضمان تزويد إسرائيل بقدرات عسكرية تتيح لها التفوق على دول الإقليم المختلفة؛ رابعا اتفاقيات المساعدات الأمنية طويلة الأمد، وهو الاطار التشريعي الذي نظم العلاقات لدعم إسرائيل ب 38 مليار دولار على مدى 10 سنوات (وينتهي في عام 2028)، الى جانب النقاشات الجارية لصياغة اتفاقيات ترتكز على الإنتاج العسكري المشترك؛ خامسا قانون التعاون الاستخباراتي، وتم سن قوانين متقدمة تهدف الى تعزيز دمج إسرائيل في منظومة الاستخبارات الأميركية، وتوسيع تبادل المعلومات المتعلقة بالأمن السيبراني وغيره؛ سادسا قانون الشراكة الاستراتيجية، الصادر في 2024، وهو تشريع شامل يعمق التعاون الثنائي في مجالات الطاقة، المياه، الأمن الداخلي، وتبني تقنيات الوقود.
بالنتيجة العطيات الماثلة للعيان، تؤكد أن إسرائيل لا يمكنها الانفكاك الاستراتيجي عن الولايات المتحدة الأميركية، ولا تستطيع الاعتماد على ذاتها، لأن إمكاناتها الاقتصادية والمالية والعسكرية والاستخباراتية محدودة وضيقة، كما أنها لا تستطيع إيجاد بديل دولي يضاهي الولايات المتحدة في دعم إسرائيل الوظيفية، فضلا عن أن التحولات الجيوسياسية الدراماتيكية في الإقليم والعالم، تعمق ما ورد آنفا. والاهم أن الرؤية الاستراتيجية الجديدة، المذكورة أعلاه، تقدم خدمات وميزات استثنائية لإسرائيل، وتمنحها مساعدات مالية واقتصادية وعسكرية واستخباراتية أضعاف ما تحصل عليه وفق الاتفاقية القائمة، وبقدر ما خرجت إسرائيل من دائرة المساعدات الأحادية، بقدر ما دخلت من نوافذ عدة الى ما هو أعمق وأوسع لتعزيز مكانتها في الإقليم، وضاعفت من حجم الدعم المالي عشرات المرات، ورفعت من مكانتها من أداة وظيفية تابعة كليا، الى شريك صغير لديه بعض الاستقلالية النسبية، لكن دون تجاوز السقف السياسي والعسكري الأميركي، هذا إن تم تبني الرؤية الإسرائيلية أميركيا، مع أن التشريعات القانونية تمنحها فرصة كبيرة لاعتمادها.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com

