الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 3:57 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:23 PM
المغرب 7:55 PM
العشاء 9:27 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

ضلالات فراس السواح وأكاذيب يوسف زيدان

الكاتب: د. أحمد رفيق عوض

مرة أخرى أجد نفسي مضطراً للعودة إلى ما يقوله فراس السواح ويوسف زيدان، ليس لأن ما يطرحانه يمثل اكتشافاً معرفياً كبيراً، بل لأن حجم الصدمة التي يتعمدان إحداثها يجعل الصمت نوعاً من التسليم بما لا أراه إلا قراءة مضللة للتاريخ والدين والإنسان معاً.

 

فراس السواح يقول إن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان مسيحياً، وإن القرآن ليس إلا امتداداً لأساطير وقصص شعوب سابقة، من السومريين إلى السريان وغيرهم، ويذهب أبعد من ذلك حين يطرح فكرة أن الله هو جبريل، وكأنه يحمل الحقيقة النهائية في جيبه، أو كأن أربعة عشر قرناً من الفكر الإسلامي والتفسير والعقيدة كانت مجرد خطأ جماعي اكتشفه أخيراً باحث معاصر.

 

أما يوسف زيدان فيقول إن أبرهة الحبشي لم يكن يريد هدم الكعبة، بل كان قديساً مسيحياً، ويشكك في قصة أصحاب الفيل بحجة أن الفيلة لا تستطيع الوصول من اليمن إلى مكة، ويعتبر أن الرواية مستمدة من الأناجيل المنحولة أو الأبوكريفا.

 

بالنسبة لي، ليست المشكلة فقط في صحة هذه الأقوال أو بطلانها، فهناك باحثون ومؤرخون وعلماء عرب ومسلمون ناقشوا هذه المسائل وأثبتوا هشاشة كثير من هذه الادعاءات، وإنما المشكلة الأعمق هي: لماذا يختار البعض أن يخوض معاركه الفكرية بهذه الطريقة الصادمة في مجتمعات تعيش أصلاً تحت وطأة القتل والاقتلاع والتهجير والفقر والقهر؟

 

ماذا تقول لأب فقد ابنه أو لإنسان هُدمت داره أو لشعب يعيش تحت الاحتلال والحصار؟ هل تقول له إن كل ما يستند إليه من إيمان وأمل وقوة روحية ليس سوى أساطير منقولة؟ هل تقول له إن كل ما يمنحه القدرة على الصمود مجرد وهم تاريخي؟

 

المشكلة أن من يريد نزع الإيمان من الناس لا يقدم بديلاً حقيقياً. لا يكفي أن ترفع شعارات التنوير والحداثة وإعادة قراءة التراث، ثم تترك الإنسان وحيداً في مواجهة الخراب. أين المشروع الأخلاقي البديل؟ أين الرؤية التي تمنح الإنسان معنى وقدرة على الاحتمال؟

 

لقد شهدت أوروبا صراعاً مع الكنيسة في عصور النهضة، لكن الذين انتقدوا المؤسسة الدينية هناك قدموا فلسفات جديدة وعلوماً ورؤى للإنسان والعالم والمجتمع. أما أن تأتي اليوم لتقول لمئات الملايين إن ما يؤمنون به باطل، ثم لا تقدم سوى الإثارة الإعلامية والاستفزاز، فهذا لا يصنع نهضة ولا يحقق تقدماً.

 

ثم إن بعض هذه الأطروحات لا تصمد أمام أبسط قراءة للنص القرآني. فالتمييز بين الله سبحانه وتعالى وبين جبريل واضح في القرآن، والفرق بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه بشراً رسولاً، وبين الوحي بوصفه خطاباً إلهياً، حاضر بصورة لا لبس فيها في النص الإسلامي نفسه. كما أن الله في القرآن يُقدَّم باعتباره متجاوزاً للطبيعة والتاريخ والإنسان، وليس مجرد شخصية أسطورية أو كائناً وسيطاً يمكن اختزاله في جبريل أو غيره.

 

ما يزعجني أيضاً هو أن هذه المعارك تبدو أحياناً وكأنها محاولة لتغيير الأولويات. فبدلاً من الحديث عن الجوع والفقر والاستبداد وتآكل الكرامة الإنسانية وغياب العدالة، يُدفع الناس إلى سجالات لا تمس حياتهم اليومية بقدر ما تمس وجدانهم ومقدساتهم.

 

ليس مطلوباً أن نتوقف عن التفكير أو النقد أو إعادة النظر في التراث، فالنقد حق مشروع، والبحث العلمي ضرورة، لكن هناك فرقاً بين النقد الجاد وبين السعي إلى الصدمة، وبين البحث عن الحقيقة وبين تحويل الموروث الديني إلى مادة للاستفزاز وإثارة الجدل.

 

ولهذا أرى أن ما يطرحه السواح وزيدان لا يفتح أبواباً جديدة للفهم بقدر ما يثير فوضى فكرية، ويخلق انقسامات إضافية في مجتمعات منهكة أصلاً. فالأمم لا تتقدم بإهانة قناعات الناس، ولا بإشعارهم أن كل ما تمسكوا به عبر القرون كان وهماً، بل تتقدم ببناء الإنسان، والدفاع عن كرامته، ومواجهة أسباب بؤسه الحقيقية، لا بافتعال معارك رمزية لا تضيف إلى معاناة الناس إلا مزيداً من الحيرة والاحتقان.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...