انتخابات المجلس الوطني 2026: من يصنع القوائم الجديدة في ظل النظام الانتخابي المعدل؟
الكاتب: د. عمر السلخي
تدخل الحياة السياسية الفلسطينية مرحلة جديدة مع الاستحقاقات الانتخابية المقررة في عام 2026، بعد صدور التعديلات على قانون الانتخابات العامة، والتي أعادت رسم قواعد المنافسة السياسية بصورة غير مسبوقة، فهذه التعديلات لا تقتصر على إجراءات فنية، بل تعيد تعريف الفواعل القادرة على الوصول إلى المجلس التشريعي، وبالتالي إلى المجلس الوطني الفلسطيني.
ولأول مرة منذ انتخابات عام 2006، يبدو أن المشهد لم يعد محصورًا بين القوى التقليدية، بل أصبح مفتوحًا أمام تحالفات جديدة، قد تضم شخصيات مستقلة، ونقابات مهنية، ورؤساء هيئات محلية، وأكاديميين، وشبابًا، إذا نجحت في بناء قوائم تمتلك برنامجًا وطنيًا مقنعًا.
وتضمنت التعديلات القانونية الأخيرة مجموعة من التغييرات الجوهرية، من أبرزها:
زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 عضوًا إلى 200 عضو.
خفض نسبة الحسم من 2% إلى 1%، ما يمنح القوائم الصغيرة فرصة أكبر للحصول على تمثيل.
رفع الحد الأدنى لعدد مرشحي القائمة من 16 إلى 20 مرشحًا.
خفض سن الترشح من 28 عامًا إلى 23 عامًا، بما يوسع مشاركة الشباب.
اشتراط وجود امرأة واحدة على الأقل بين كل ثلاثة مرشحين، بما يعزز تمثيل المرأة.
اعتبار أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين أعضاءً حكميين في المجلس الوطني الفلسطيني، بما يربط الاستحقاقين التشريعي والوطني مباشرة.
هذه التعديلات تعني عمليًا أن الحصول على مقعد لم يعد يتطلب الفوز بدائرة انتخابية كما كان في الأنظمة السابقة، وإنما يكفي أن تتمكن القائمة من تجاوز نسبة الحسم على مستوى الوطن ، وهذا التحول يفتح الباب أمام قوى اجتماعية ومهنية كانت بعيدة عن المنافسة الوطنية.
ولا تزال حركتا فتح وحماس تمثلان أكبر الكتل السياسية القادرة على تشكيل قوائم قوية، إلى جانب الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، والمبادرة الوطنية، وغيرها من الفصائل، إلا أن النظام الجديد يمنح فرصة حقيقية لظهور قوائم وطنية مستقلة إذا استطاعت بناء تحالفات واسعة وبرنامج انتخابي واضح.
ومن بين أبرز الفواعل المرشحة للعب دور مؤثر في الانتخابات المقبلة رؤساء البلديات والهيئات المحلية، الذين راكموا خبرة في الإدارة العامة، وأثبتوا حضورًا جماهيريًا من خلال العمل الخدمي والتنموي، كما تمتلك النقابات المهنية، التي تضم عشرات الآلاف من الأطباء والمهندسين والمحامين والمعلمين، قاعدة تنظيمية يمكن أن تتحول إلى قوة انتخابية إذا توحدت حول مشروع سياسي إصلاحي.
ويبرز أيضًا الأكاديميون ورجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني باعتبارهم رصيدًا وطنيًا قادرًا على تقديم خطاب مختلف يركز على الإصلاح، والحوكمة، والتنمية الاقتصادية، وتجديد المؤسسات. كما أن خفض سن الترشح إلى 23 عامًا يمنح آلاف الشباب فرصة للمشاركة في صناعة القرار لأول مرة، وهو ما قد يؤدي إلى تجديد النخب السياسية إذا أُحسن استثمار هذه الفرصة.
في المقابل، يثير خفض نسبة الحسم إلى 1% نقاشًا سياسيًا واسعًا ، فبينما يرى مؤيدوه أنه يوسع دائرة التمثيل ويمنح المستقلين والقوائم الصغيرة فرصة للوصول إلى المجلس، يحذر آخرون من أنه قد يؤدي إلى تفتت المشهد السياسي وزيادة عدد الكتل الصغيرة، بما يصعّب تشكيل أغلبيات مستقرة داخل المجلس.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستستثمر القوى المجتمعية هذه التعديلات لبناء قوائم وطنية عابرة للفصائل، أم ستبقى المنافسة محصورة بين القوى التقليدية؟
الإجابة لن تحدد فقط شكل المجلس التشريعي المقبل، بل قد ترسم ملامح النظام السياسي الفلسطيني لعقد قادم ، فالقانون الجديد لم يغير قواعد الانتخابات فحسب، بل فتح الباب أمام إعادة إنتاج النخبة السياسية، وإعادة توزيع مراكز القوة داخل المؤسسات الفلسطينية، ومن ينجح في قراءة هذه التحولات مبكرًا، وبناء تحالفات واسعة تقوم على الكفاءة والبرنامج الوطني، سيكون الأقرب إلى تحقيق حضور مؤثر في انتخابات عام 2026.

