الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 3:58 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:23 PM
المغرب 7:55 PM
العشاء 9:27 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حين تُختزل الدولة في أركاش

الكاتب: د. محمد عودة

ليست الدول بحاجة إلى غزو خارجي كي تنهار، ولا إلى صدمة مفاجئة أو انهيار دراماتيكي في مؤسساتها. أحيانًا يكفي أن تبدأ الدولة، بهدوءٍ كامل وتدريجي، بإقناع نفسها بأن الاختلاف عبء، وأن التعدد مصدر إرباك، وأن كثرة الأصوات تعني بطئًا في القرار أكثر مما تعني ثراءً في الفهم، حتى تتحول فكرة “تنظيم الحياة” شيئًا فشيئًا إلى تقليصٍ للحياة نفسها، وإلى استبدال التعدد بمنطق واحد يبدو في ظاهره أكثر كفاءة، لكنه في جوهره أقل قدرة على فهم الواقع وتعقيداته.

في دولة خاتّار، لم يكن السقوط نتيجة أزمة مفاجئة، بل نتيجة مسار طويل بدأ بفكرة تبدو إداريًا بريئة: أن الدولة تصبح أكثر كفاءة كلما اقترب القرار من مركز واحد، وكلما تقلصت المسافة بين الفكرة وتنفيذها، وبين السؤال والإجابة.

ومن هنا ظهر أركاش، لم يظهر كحاكم معلن، ولا كمشروع انقلاب، بل كمنطق هادئ يتسلل إلى بنية الدولة: تسريع القرار، توحيد المسار، تقليص التعدد، وإعادة تعريف الاختلاف باعتباره مشكلة تنظيمية لا ضرورة سياسية. لكن ما بدا في بدايته “إصلاحًا إداريًا” كان في جوهره إعادة تشكيل كاملة للدولة حول عقل واحد… يتكرر بدل أن يتعدد.

في تلك اللحظة التاريخية، ظهر اسم أركاش الخاتّاري، لم يكن ظهوره صاخبًا، ولا مفاجئًا، بل جاء عبر سلسلة قرارات صغيرة، كانت كل واحدةٍ منها تُقدَّم بوصفها ضرورة: تسريع إجراء، توحيد قرار، تقليص خلاف، منع ازدواجية. ومع كل خطوة، كانت مساحة الدولة تتقلص قليلًا، بينما تتسع مساحة أركاش قليلًا، دون أن ينتبه أحد إلى أن الاتجاه كان واحدًا منذ البداية. في البداية، كان أركاش مجرد موظف استثنائي، ثم أصبح مرجعًا، ثم صاحب الكلمة الأخيرة، ثم النقطة التي لا يمر أي قرار إلا عبرها.

ومع الوقت، لم يعد السؤال: ماذا تقرر الدولة؟ بل أصبح: ماذا قرر أركاش؟ لكن الخطر الحقيقي لم يكن في مركزية القرار وحدها، بل في ما تلاها. فحين تعقّد العمل، لم تُوسَّع المؤسسات، بل تم “توسيع أركاش”. وظهر ما سُمّي بالنسخ: أركاش الاقتصاد، أركاش الأمن، أركاش الإدارة، وأركاش الخارج. قيل إن ذلك حلٌّ تقني لتخفيف العبء، لكنه كان في جوهره لحظة التحوّل الكبرى: الدولة بدأت تُستبدل بنسخة قابلة للتكرار.

ومع مرور الوقت، لم تعد لهذه النسخ أسماء تُذكر، بل وظائف فقط. ولم يعد الناس يتعاملون مع شخصيات مختلفة، بل مع نمط واحد يُعاد إنتاجه في مواقع متعددة. كان الخطاب الرسمي يصف ذلك بأنه “تجانس مؤسساتي”، غير أن ما لم يُقل هو أن التجانس الكامل في السياسة ليس استقرارًا، بل إلغاءٌ تدريجي لفكرة الاختلاف. وحين يغيب الاختلاف، لا يعود الخطأ بحاجة إلى إثبات، بل إلى تكرار.

في تلك المرحلة، بدأت الدولة تفقد قدرتها على تصحيح نفسها، لأن كل خلل كان يُعالج بنسخة أخرى من العقل ذاته الذي أنتجه. وإذا فشلت نسخة، لا يُعاد النظر في القرار، بل تُستبدل بنسخة أكثر التزامًا بالمنطق نفسه.

وهكذا لم تعد الدولة تتعلم من أخطائها، لأنها ببساطة لم تعد تعترف بوجود “آخر” يمكن أن يختلف. لكن أخطر ما في نموذج أركاش لم يكن إداريًا فقط، بل سياسيًا أيضًا.

 

فمع تراكم النسخ، أصبح الاعتراض نفسه يُعامل كخلل في النظام. لم يعد النقد يُناقش، بل يُعاد تفسيره داخل المنظومة ذاتها. النسخة التي تتلقى النقد لا ترد عليه، بل تحيله إلى نسخة أخرى مختصة “بالمعالجة”، ثم إلى نسخة “للتبرير”، ثم إلى نسخة “للمتابعة”، حتى يختفي الأصل داخل سلسلة إجراءات متتابعة لا تنتهي

وفي هذا النظام، لم يعد البطش يحتاج إلى إعلان. بل أصبح يُمارس بهدوء: إيقاف، استبعاد، إعادة توصيف، ثم عزل إداري لا يترك أثرًا سوى غياب الصوت. ومع الوقت، لم يعد الناس يسألون لماذا يُعاقَب المختلفون، بل أصبح السؤال: أي نسخة من أركاش ستتولى هذا الملف؟ وهنا تحديدًا اكتمل التحول الأخطر: لم تعد الدولة تملك سلطة فوق المجتمع، بل أصبح المجتمع نفسه يُدار من داخل نسخة واحدة تتكرر بأشكال متعددة

حتى السياسة لم تعد مجالًا للاختلاف، بل مساحة لتوزيع الوظائف. وكل من يدخل هذا المجال، يدخل ضمن إطار جاهز مسبقًا، عليه أن يتكيف معه بدل أن يعيد تعريفه. ومع تراجع المسافة بين النسخ، اختفت المسافة بين الفكرة وتطبيقها، وبين القرار وتنفيذه، وبين الخطأ ومراجعته. وفي هذه اللحظة، تصبح الدولة شديدة الكفاءة ظاهريًا، لكنها شديدة الهشاشة فعليًا، لأنها فقدت ما يمنعها من الانهيار: التعدد.

وفي خاتّار، لم يكن السقوط حدثًا مفاجئًا، بل كان أشبه بتآكل بطيء في القدرة على الاختلاف، حتى وصلت الدولة إلى لحظة لم تعد فيها قادرة على تخيّل أي طريقة أخرى للحكم خارج أركاش. وعندها فقط، لم يعد السؤال: كيف سقطت الدولة؟ بل: كيف يمكن لدولة أن تبقى واقفة وهي لا تعرف إلا نسخة واحدة من نفسها؟

تقول سجلات خاتّار إن ما جرى لم يكن استثناءً في التاريخ، بل نمطًا يتكرر كلما اعتقدت دولة أن الكفاءة يمكن أن تُبنى على تقليص الاختلاف، وأن إدارة المجتمع يمكن أن تُختصر في نسخة واحدة من العقل.

فالدولة التي تُدار بعقل واحد، حتى لو تكرر في آلاف النسخ، لا تصبح أقوى، بل تصبح أقرب إلى نظام مغلق على نفسه، لا يرى العالم إلا عبر مرآته الخاصة. وربما، حين تُقرأ خاتّار خارج سجلاتها القديمة، لا تبدو استثناءً بقدر ما تبدو نموذجًا مُعاد إنتاجه بأشكال مختلفة

فالكثير من الدول، وإن اختلفت أسماؤها ومؤسساتها، تمتلك نسختها الخاصة من “أركاش”: ذلك المركز الذي تتجمع حوله القرارات، وتُختزل فيه المؤسسات، وتُقاس من خلاله شرعية الدولة وكفاءتها.

لا يظهر أركاش دائمًا بالاسم نفسه، ولا بالشكل نفسه، لكنه يظهر بالمنطق ذاته: منطق تقليص التعدد، وتكثيف القرار، وإعادة تشكيل الدولة حول نقطة واحدة تُدار منها التفاصيل الكبرى والصغرى معًا. وفي كل مرة يُقدَّم فيها هذا النموذج بوصفه ضرورة للكفاءة أو الاستقرار، تكون خاتّار قد خرجت من صفحات التاريخ لتتكرر بصمت في مكان آخر.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...