الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:04 AM
الظهر 12:45 PM
العصر 4:25 PM
المغرب 7:53 PM
العشاء 9:24 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

هل ينسجم منع موظفي القطاع العام من الترشح مع الدستور الفلسطيني؟

الكاتب: د. محمد عودة

لا تُقاس قيمة الانتخابات فقط بنتائجها النهائية، بل تبدأ من طبيعة القواعد التي تحكمها، ومدى عدالتها في ضمان حرية  مشاركة المواطن وقدرته على المنافسة السياسية، فالانتخابات في أي نظام ديمقراطي ليست مجرد وسيلة لاختيار ممثلين، وإنما هي التعبير العملي عن مبدأ أساسي يقوم عليه الحكم الدستوري: أن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن المشاركة السياسية حق أصيل للمواطنين.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية، حيث تأتي الانتخابات في سياق استثنائي يتسم بالانقسام السياسي، وتعقيدات الواقع بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والتحديات المرتبطة بمشاركة القدس، إضافة إلى أزمة الثقة المتراكمة بين المواطن والمؤسسات السياسية، ولذلك فإن أي تعديل يمس شروط الترشح لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراءً فنيًا فقط، بل باعتباره جزءًا من النقاش الأوسع حول طبيعة الشرعية السياسية ومستقبل النظام السياسي، فالانتخابات لا تستمد شرعيتها فقط من إجراء الاقتراع، وإنما من قدرتها على التعبير عن الإرادة الشعبية بصورة شاملة تمثل مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.

ومن هنا يبرز الجدل حول المرسوم الرئاسي الذي عدّل قانون الانتخابات، وما تضمنه من منع العاملين في القطاع العام من الترشح، باعتباره سؤالًا دستوريًا يتجاوز حدود التنظيم الانتخابي: هل يمثل هذا المنع إجراءً مشروعًا لحماية حياد الوظيفة العامة وضمان نزاهة الانتخابات، أم أنه يشكل قيدًا غير متناسب مع حق سياسي أساسي؟

لا شك أن حماية حياد الوظيفة العامة هدف مشروع في أي نظام ديمقراطي، فالموظف العام يؤدي وظيفة باسم الدولة، ومن الضروري ضمان عدم استخدام النفوذ الإداري أو الموارد العامة لصالح طرف انتخابي معين، لكن الإشكالية الدستورية لا تتعلق بمشروعية الهدف، وإنما بالوسيلة المستخدمة لتحقيقه.

فالقانون الدستوري لا يكتفي بالسؤال عن مشروعية الغاية، بل يبحث أيضًا فيما إذا كانت الوسيلة ضرورية ومتناسبة معها، وهناك فرق بين تنظيم ممارسة الحق وبين تقييده بصورة تؤدي إلى إفراغه من مضمونه،فمن حق الدولة وضع ضوابط تمنع استغلال الوظيفة العامة، لكنها مطالبة في الوقت ذاته بألا تتحول هذه الضوابط إلى وسيلة لإقصاء فئة واسعة من المواطنين عن المشاركة السياسية.

فالوظيفة العامة ليست حالة واحدة متجانسة؛ إذ تختلف طبيعة الصلاحيات والمسؤوليات بين موظف وآخر، ولذلك فإن التمييز بين الوظائف التي قد تؤثر مباشرة على نزاهة الانتخابات وبين بقية الوظائف يمثل عنصرًا مهمًا عند تقييم أي قيد على حق الترشح، أما المنع الشامل لجميع العاملين في القطاع العام، فإنه يثير تساؤلات جدية حول مدى توافقه مع مبدأ المساواة والتناسب.

ويستند الحق في المشاركة السياسية إلى منظومة دستورية أوسع من مجرد النصوص الانتخابية، فالقانون الأساسي الفلسطيني يقوم على مبادئ سيادة الشعب والمساواة واحترام الحقوق والحريات العامة، كما أن هذا الحق يجد سندًا في المعايير الدولية، ومنها المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي أكدت حق كل مواطن في المشاركة في إدارة الشؤون العامة وفي الانتخاب والترشح ضمن شروط تقوم على المساواة والمعقولية.

ولا يعني ذلك أن الدول لا تملك حق تنظيم هذه الحقوق، فتنظيم العملية الانتخابية ضرورة لضمان نزاهتها، لكن القيود المفروضة عليها يجب أن تكون موضوعية وضرورية وألا تؤدي إلى حرمان فئات واسعة من المواطنين من ممارسة حق سياسي أساسي.

ومن هنا فإن منع موظفي القطاع العام من الترشح يثير شبهة جدية تستوجب الفحص الدستوري حول مدى انسجامه مع مبادئ المساواة والتناسب والحق في المشاركة السياسية، ليس لأن الهدف الذي يسعى إليه المرسوم غير مشروع، وإنما لأن الوسيلة المستخدمة قد تكون أوسع من الحاجة الفعلية لتحقيق هذا الهدف، فحماية نزاهة الانتخابات يمكن تحقيقها بوسائل أقل تقييدًا للحق، مثل اشتراط الاستقالة عند قبول الترشح، أو تعليق بعض الصلاحيات خلال الفترة الانتخابية، أو فرض رقابة صارمة على استخدام موارد الدولة.

لكن الإشكالية لا تتعلق فقط بمضمون القيد، بل تمتد إلى طبيعة الأداة التي استخدمت لإقراره، فالمراسيم بقوانين تمثل أداة دستورية استثنائية تهدف إلى معالجة أوضاع لا تحتمل الانتظار في ظل غياب المجلس التشريعي، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل دائم عن السلطة التشريعية أو إلى وسيلة لإعادة صياغة قواعد أساسية تتعلق بالمشاركة السياسية دون رقابة برلمانية.

وفي الحالة الفلسطينية، تزداد حساسية هذه المسألة بسبب طول فترة غياب المجلس التشريعي، فحتى لو كانت هناك حاجة عملية لاستمرار إصدار القرارات بقوانين لضمان عمل مؤسسات الدولة، فإن السؤال الدستوري يبقى قائمًا: هل يجوز لسلطة تنفيذية تعمل في غياب البرلمان أن تعدل القواعد التي تحدد طريقة تشكيل البرلمان نفسه؟

فقانون الانتخابات ليس قانونًا عاديًا، لأنه يحدد من يحق له المشاركة في تشكيل السلطة التشريعية، وكيف تتحول الإرادة الشعبية إلى مؤسسة دستورية، ولذلك فإن تعديل شروط الترشح بواسطة مرسوم بقانون يفتح نقاشًا حول حدود الاختصاص، ومدى انسجام استخدام الأداة الاستثنائية مع طبيعة الموضوع الذي تعالجه.

وتبرز أهمية هذا النقاش بصورة أكبر مع عودة المجلس التشريعي إلى ممارسة دوره، فالمجلس المنتخب سيكون من حقه مراجعة القرارات بقوانين التي صدرت خلال فترة غيابه، بما فيها تلك المتعلقة بقانون الانتخابات،وهنا تظهر معضلة دستورية حقيقية: إذا رأى المجلس أن بعض أحكام المرسوم تخالف القانون الأساسي أو تمس حقوق المواطنين، فهل يؤدي إلغاء المرسوم إلى التشكيك في شرعية المجلس نفسه باعتبار أن انتخابه جرى وفق هذه القواعد؟

إن الإجابة لا تكمن في تعطيل الرقابة التشريعية، كما لا تكمن في هدم المؤسسات المنتخبة، فالدولة الدستورية تقوم على التوازن بين الشرعية الدستورية والشرعية الشعبية، وليس كل خلل في قاعدة قانونية يؤدي بالضرورة إلى سقوط المؤسسة التي نشأت في ظلها، كما أن استقرار المؤسسات لا يعني تحصين القوانين من المراجعة والتصحيح.

إن الديمقراطية لا تعني أن القوانين لا تخطئ، بل تعني وجود مؤسسات قادرة على مراجعة الأخطاء ومعالجتها ضمن إطار يحفظ حقوق المواطنين واستمرارية المؤسسات، ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام المرحلة المقبلة ليس فقط إجراء الانتخابات، وإنما ضمان أن تكون القواعد التي تحكمها قادرة على إنتاج مؤسسات تتمتع بالثقة والشرعية.

غير أن شرعية الانتخابات لا ترتبط فقط بعدالة القواعد التي تنظمها، وإنما أيضًا بقدرتها على التعبير عن الإرادة الشعبية بصورة شاملة. فالضغوط الدولية، والحاجة الفلسطينية الداخلية إلى تجديد الشرعية، لا يمكن أن تكون مبررًا لإجراء انتخابات منقوصة تستثني أجزاء أساسية من الشعب الفلسطيني.

فالانتخابات الفلسطينية لا تكتسب معناها الديمقراطي الكامل إلا إذا شملت مختلف أماكن الوجود الفلسطيني، وفي مقدمتها القدس وقطاع غزة. ففرضية السماح بإجراء الانتخابات في القدس ما زالت غير مؤكدة، في ظل ارتباطها بالموقف الإسرائيلي، كما أن واقع قطاع غزة يطرح تحديات استثنائية تتعلق بإمكانية تنظيم العملية الانتخابية، وبسلامة ودقة السجل المدني والانتخابي في ظل الظروف والتحولات الكبيرة التي شهدها القطاع.

ومن ثم فإن التحدي لا يتمثل فقط في إجراء الانتخابات، وإنما في ضمان أن تكون قادرة على إنتاج شرعية تمثيلية حقيقية تشمل مختلف مكونات الشعب الفلسطيني. فالانتخابات التي تجري تحت ضغط الحاجة السياسية أو المطالب الخارجية، دون معالجة شروط المشاركة الشاملة، قد تنتج مؤسسات قائمة قانونيًا لكنها تواجه منذ البداية أسئلة عميقة حول درجة تمثيلها وشرعيتها.

في النهاية، فإن قضية منع موظفي القطاع العام من الترشح ليست مجرد خلاف حول مادة انتخابية، بل هي اختبار لطبيعة النظام السياسي الفلسطيني ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين حماية الدولة وحماية حقوق المواطنين، فالدولة القوية ليست التي تفرض أكبر عدد من القيود، بل التي تنجح في حماية المصلحة العامة دون التضحية بجوهر الحقوق والحريات، فالانتخابات التي تُبنى على قواعد عادلة وشاملة لا تنتج فقط مجالس منتخبة، بل تنتج ثقة سياسية، وهذه الثقة هي الأساس لأي مشروع جاد لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...