الديموقراطية بين النهج والادّعاء المبتذل
الكاتب: رأي مسار
في حياتنا الفلسطينية، مصطلحاتٌ يجري تداولها في بيانات وبرامج التجمعات والمجالس والمؤتمرات، وأكثرها تداولاً مصطلح الديموقراطية، وبناء النظام السياسي على أساس تداول السلطة من خلال صندوق الاقتراع، ورغم وجود سلطةٍ في بلادنا يقول سدنتها أنها بلا سلطة، إلا أن أدبياتها وطريقة تقديمها للعالم، تبدو كما لو أنها سلطةٌ نموذجيةٌ من كل النواحي، لولا التآمر الخارجي عليها، ومنعها من أن تتطور لتقيم جمهوريةً فاضلة!
ومنذ بداية الثورة الفلسطينية في ستينات القرن الماضي وحتى أيامنا هذه، هنالك واجهةٌ ثابتةٌ لا تتغير اسمها الفصائل، التي في كل أدبياتها ومرافعات قادتها، مطلبٌ واحدٌ متكرر، وهو الديموقراطية، والقول إن لا صلاح لأي شعبٍ وقضيةٍ ومشروع وطني، دون الالتزام بها وجعلها أساس الحياة الداخلية للمجتمع والنظام السياسي.
الظاهرة التي تتميز بها الفصائل التي ما تزال تحتل واجهة الحياة السياسية سواء في حيّز المعارضة أو الموالاة، هي أكثر من يستخدم مفردة الديموقراطية ويدعو إلى تبنيها في الوقت الذي تبرئ نفسها منها وهذه بعض الأدلة.
كل فصيلٍ ولد تحت أي مسمى وشعارٍ وبرنامج، ظلّ الرجل الأول في موقعه، وحتى إجراء انتخاباتٍ ولو شكلية، فقد تمّ الاستغناء عنها خشية إضاعة الوقت المخصص غالباً للمناكفات الداخلية.
ودليلٌ آخر.. لقد تعرّض الشعب الذي تتصدر الفصائل واجهته لحروبٍ بلغت حد الكوارث، وأدّت إلى ما لا يعدّ ولا يحصى من الخسائر المادية والبشرية والساحات الرئيسية والثانوية، وإذا ما راجعنا وقائع ما حلّ بنا منذ الأيام الأولى لولادة الفصائل حتى الآن، فلن نجد ولو لمرةٍ واحدةٍ مراجعةً أمينةً وموضوعيةً لما حدث، كما لا نرى خططاً وبرامج لتفادي تكراره، ربما حاول البعض ولكن ضمن منطق الدفاع عن تقصيره فيما حدث، وتبرير مواقفه وسياساته وتحالفاته، وكأنه كان يسير على الصراط المستقيم لولا آخرون يسمّون عادةً بالأعداء الداخليين والخارجيين كانوا يحرفونه عن المسار، ولكنه بثباته على ما هو فيه، أفشل مراميهم وها هو ما يزال على قيد الحياة رغم كل ما حدث.
الديموقراطية وعيٌ ونهجٌ وأدواتٌ والتزام، وإذا لم يطبّقه الفصيل على نفسه، فلن يحظى بأي قدرٍ من المصداقية والإقناع، وهذا هو واقع مرحلتنا السياسية المكتظة بالانتكاسات، وكلها يتم تحت خلودٍ فصائليٍ لا منجاة منه.

