47 عامًا على انتصار الثورة الساندينية في معارك التحرر والبناء والحفاظ على المباديء
الكاتب: د. محمد عودة
ليست قيمة الثورات الكبرى في لحظة انتصارها فقط، فالسقوط الذي يحدث في يوم تاريخي قد يكون بداية مرحلة أكثر صعوبة من مرحلة المواجهة نفسها. فالاختبار الحقيقي لأي ثورة يبدأ عندما تنتقل من موقع المقاومة إلى موقع المسؤولية، ومن مواجهة الخصم إلى بناء الدولة، ومن الشعارات التي توحد الجماهير في لحظة النضال إلى السياسات التي تحدد حياة الناس في زمن الحكم.
ومن هنا تكتسب تجربة الثورة الساندينية في نيكاراغوا أهميتها، فبعد سبعة وأربعين عامًا على انتصارها في 19 تموز/يوليو 1979، فالسؤال المطروح ليس كيف تمكن شعب صغير من إسقاط نظام مدعوم من قوة كبرى، بل كيف تمكنت الثورة الساندينية من الحفاظ على المباديء وفي ذات الوقت بناء دولة عصرية ،لقد تفوقت ثورة نيكاراغوا على ابداعها في اسقاط النظام ببناء دولة عصرية تحكمها نفس قيم الثورة .
فالثورة الساندينية دخلت التاريخ ليس فقط لانهاى نجحت في الاطاحة بسوموزا بل لانها ترجمت شعاراتها ومبادئها على الارض عبر بناء دولة عصرية تتفوق في ادائها على كل دول الجوار، ولهذا تقدم تجربة نيكاراغوا نموذجًا مهمًا للتأمل في العلاقة بين الثورة والدولة، وبين الدفاع عن السيادة الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية،حيث ان تجربة نيكاراغوا في هذا المضمار تعد الانجح في العصر الحديث.
ولفهم هذا المسار، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية التي صنعت الوعي الوطني في نيكاراغوا، وإلى العلاقة الطويلة والمعقدة مع الولايات المتحدة، التي شكلت أحد أهم العوامل في تطور الحركة الوطنية الساندينية، فمنذ بداية القرن العشرين أصبحت أمريكا الوسطى مجالًا حيويًا للمصالح الأمريكية بحكم موقعها الجغرافي وأهميتها الاستراتيجية، وفي عام 1912 غزت القوات الأمريكية نيكاراغوا، لتبدأ مرحلة طويلة من الحضور العسكري والتأثير السياسي، ضمن رؤية اعتبرت المنطقة جزءًا من مجالها الحيوي وأمنها الاستراتيجي.
ثم عادت الولايات المتحدة إلى التدخل بعد اندلاع الحرب الدستورية عام 1926، لتواجه مقاومة وطنية قادها أوغستو سيزار ساندينو، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز رموز مقاومة التدخل الخارجي في أمريكا اللاتينية،لم يكن ساندينو يخوض مواجهة عسكرية فقط، بل كان يحمل تصورًا سياسيًا يقوم على أن استقلال الدولة لا يكتمل إذا بقي قرارها الوطني خاضعًا لإرادة قوة خارجية، ولذلك تحولت مقاومته إلى رمز أوسع لدى حركات التحرر، باعتبارها نموذجًا لشعب صغير يواجه اختلالًا كبيرًا في موازين القوة، لكنه يمتلك القدرة على تحويل قضيته الوطنية إلى قضية تتجاوز حدوده.
لقد استطاعت المقاومة الساندينية هزيمة الجيش الامريكي واجبرته على الانسحاب ، ورغم احتفاظ واشنطن بنفوذ ليس بالقليل من خلال ترتيبات سياسية وأمنية، كان أبرزها إنشاء الحرس الوطني الذي أصبح لاحقًا أداة أساسية في صعود عائلة سوموزا.
فإن تلك المرحلة بقيت دليلًا على أن القوة الكبرى ليست دائمًا قادرة على فرض إرادتها إلى ما لا نهاية،رغم ان انسحاب القوات الأمريكية لم ينهِ الصراع حول استقلال القرار الوطني، بل نقله إلى مرحلة جديدة. فقد تحول الحرس الوطني إلى أداة للسيطرة السياسية، ومع صعود عائلة سوموزا دخلت نيكاراغوا مرحلة طويلة من الحكم الذي جمع بين النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية والعلاقات الوثيقة مع القوى الخارجية.
وخلال عقود حكم سوموزا،نما شعور واسع لدى قطاعات كبيرة من الشعب بأن الدولة فقدت قدرتها على التعبير عن تطلعات المواطنين، وأن ثروات البلاد وفرصها لا تصل بعدالة إلى المجتمع، وهكذا تحولت المعارضة من رفض نظام سياسي محدد إلى رفض منظومة كاملة ارتبطت في الوعي الشعبي بالتبعية وغياب العدالة الاجتماعية واحتكار السلطة.
ومن رحم هذه الظروف نشأت الجبهة الشعبية الساندينية للتحرير الوطني، التي حملت اسم ساندينو واستعادت رمزيته التاريخية، مقدمة نفسها باعتبارها امتدادًا لنضال وطني من أجل الاستقلال والعدالة،وبعد معلرك طويلة مع النظام تمكنت قوات الثورة في 19 تموز/يوليو 1979 من دخول ماناغوا، منهية الحكم الدكتاتوري لعائلة سوموزا، في لحظة شكلت تحولًا تاريخيًا في أمريكا اللاتينية والعالم.
لكن أهمية ذلك الانتصار لم تكن فقط في إسقاط نظام سياسي، بل في في البرنامج الوطني لبناء الدولة العصرية على اسس وقيم الثورة ،وقد برهنت الايام على قدرة غير عادية امتلكتها الثورة الساندينية المنتصرة حديثا في الموائمة بين المبادي والقيم من جهة والحكم من جهة اخرى ،لقد ادارة حكومات الساندينيين بقيادة القائد دانييل اورتيغا باقتدار ووعي غير مسبوقين كل مناحي الحياة مما شكل استجابة لتطلعات الشعب النيكاراغوي.
لكن انتصار الثورة الساندينية لم يضع نهاية للصراع، بل فتح فصلًا جديدًا أكثر تعقيدًا. فقد جاءت الثورة في ذروة الحرب الباردة، واعتبرت الولايات المتحدة الحكومة الساندينية تهديدًا لمصالحها الاستراتيجية، فدخلت نيكاراغوا مرحلة مواجهة جديدة، أصبحت خلالها ساحة اطماع امريكية جديدة وتجلى ذلك في دعم واشنطن لقوات الكونترا المسلحة.
وفي ظل هذه الظروف واجهت نيكاراغوا باقتدار تحديًا مزدوجًا: الدفاع عن استقلال قرارها الوطني، وفي الوقت نفسه بناء دولة قادرة على تلبية احتياجات مواطنيها، وهنا ظهر الاختبار الحقيقي للثورة، ،فقد حولت المبادئ إلى واقع يلمسه المواطن.
لقد سعت الثورة الساندينية إلى ترجمة رؤيتها الاجتماعية إلى برامج عملية، وكان الإنسان في قلب هذا المشروع. فاعتُبر التعليم أحد أهم مجالات بناء الدولة، وأطلقت حملات وطنية واسعة لمحو الأمية وصلت إلى مناطق وفئات عانت طويلًا من التهميش، وأسهمت في خفض معدلات الأمية بصورة ملحوظة.
كما أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا لقطاع الصحة، حيث توسعت خدمات الرعاية الصحية العامة وأصبحت متاحة على نطاق واسع وبتكاليف منخفضة ان لم نقل مجانية ، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن العدالة الاجتماعية مسؤولية عملية للدولة وليست مجرد شعار سياسي.
فبالرغم مما واجهته نيكاراغوا من حرب وضغوط اقتصادية وحصار وصعوبات الانتقال من مجتمع خارج من الصراع إلى دولة مطالبة بإدارة التنمية،فقد برهن الساندينيون على امتلاكهم القدرة والارادة والادوات اللازمة لوضع الشعارات والمباديء موضع التنفيذ.
إن قيمة أي تجربة سياسية لا تقاس فقط بقدرتها على إنتاج روايتها، بل بقدرتها على الحفاظ على تلك الرواية ،لقد مضت 47 سنة على الانتصار ولا زال السندينيون يبنون ويطورون بلدهم لتصبح نموذج يحتذى مع الموائمة بين ذلك وبين الحتفاظ بالقيم والمباديء.
فالانتقال من الثورة إلى الدولة هو الاختبار الأصعب؛ لأن الثورة تمنح الشعوب هدف التحرر والتغيير، أما الدولة فتتطلب بناء المؤسسات، وإدارة الموارد، وتحقيق التنمية، وتوفير الخدمات، والتعامل مع عالم تحكمه المصالح والتوازنات،وهنا لا بد من الاسارة ان نيكاراغوا تفوقت بامتياز في هذا المضمار.
ومن هنا فإن تجربة نيكاراغوا تقدم نموذجًا مهمًا للتأمل في العلاقة بين السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية وبناء الدولة، فقد جعلت التعليم والصحة ومحو الأمية وتطوير البنية التحتية جزءًا من مشروعها الاجتماعي، والحفاظ على استقلال قرارها السياسي في بيئة دولية صعبة، وربطت مواقفها الخارجية بذاكرة تاريخية تشكلت حول قضايا السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم موقف نيكاراغوا من القضية الفلسطينية، ليس باعتباره موقفًا منفصلًا عن تاريخها، بل باعتباره امتدادًا لرؤية سياسية ترى أن العدالة الدولية لا ينبغي أن تكون انتقائية، وأن حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير يجب أن يكون مبدأ عامًا لا يخضع فقط لموازين القوة.
فأمريكا اللاتينية عمومًا، ونيكاراغوا خصوصًا، تحمل في ذاكرتها السياسية تجارب طويلة مع التدخلات الخارجية والصراعات حول استقلال القرار الوطني، ولذلك ربطت العديد من التيارات السياسية في القارة بين تجاربها التاريخية وقضايا التحرر الوطني في العالم، ومنها القضية الفلسطينية.
ولهذا فإن ذكرى انتصار الثورة الساندينية ليست مجرد استعادة لحدث تاريخي وقع قبل سبعة وأربعين عامًا، بل فرصة للتأمل في تجربة انتقلت من المقاومة إلى الدولة، ومن مواجهة الخصم إلى مواجهة تحديات البناء.
لقد أثبتت نيكاراغوا أن حجم الدولة لا يحدد وحده قدرتها على التأثير، وأن الشعوب الصغيرة تستطيع أن تصنع حضورًا عندما تمتلك قضية تؤمن بها وإرادة تدافع عنها، لكنها أثبتت أيضًا أن أصعب انتصارات الثورات ليست تلك التي تتحقق في لحظة المواجهة، بل تلك التي تتحقق عندما تتحول المبادئ إلى سياسات، والشعارات إلى حياة يومية، وبناء الدولة إلى اختبار حقيقي للوفاء بالرسالة التي انطلقت منها الثورة.
وربما يكون الدرس الأهم من التجربة الساندينية أن الثورة لا تُخلَّد فقط لأنها انتصرت على خصومها، بل لأنها استطاعت أن تواجه امتحان الزمن،حيث برهنت ان بناء الدولة ليس نقيضًا للمبادئ، بل هو الاختبار الحقيقي لها، وعندما تنجح تجربة ما في الجمع بين السيادة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، وبناء الإنسان، فإنها لا تحافظ فقط على ذاكرتها التاريخية، بل تمنح هذه الذاكرة قدرة على الاستمرار والتجدد مع الأجيال القادمة.

