ما بعد الانتخابات الفلسطينية: من يملك الشرعية ومن يملك القدرة على الحكم
الكاتب: بسام زكارنة
عندما تقترب الشعوب من لحظات سياسية مفصلية لا يكون السؤال الحقيقي فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا سيحدث بعد الفوز؟ وهل ستكون الانتخابات بداية مرحلة جديدة من إعادة بناء النظام السياسي أم أنها ستفتح الباب أمام أزمة جديدة أكثر تعقيداً ؟.
فالانتخابات ليست نهاية الطريق بل بدايته هي تمنح الشرعية السياسية لمن يحصل على ثقة الناس لكنها في الوقت نفسه تضع أمام الفائز مسؤولية إدارة حياة المواطنين واتخاذ قرارات قد تحدد مستقبل شعب بأكمله فالنجاح في الانتخابات لا يعني بالضرورة النجاح في الحكم والوصول إلى السلطة يختلف تماما عن إدارة السلطة.
وفي الحالة الفلسطينية تبدو هذه المسؤولية أكثر تعقيداً من أي تجربة انتخابية عادية فالقيادة التي ستأتي عبر الانتخابات لن تعمل في دولة مستقلة ذات سيادة بل في ظل واقع استثنائي تحكمه عوامل كثيرة: احتلال مستمر، توسع استيطاني، انقسام سياسي داخلي، اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الخارجية ومؤسسات سياسية وإدارية نشأت في سياق اتفاقيات أوسلو وما ترتب عليها من التزامات.
لذلك فإن أي نقاش حول الانتخابات الفلسطينية القادمة لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: من يملك القدرة على الفوز؟ بل يجب أن ينتقل إلى السؤال الأهم: من يملك القدرة على إدارة المرحلة القادمة؟ ومن يمتلك رؤية واضحة لحماية المؤسسات وتوفير الخدمات وإدارة العلاقات الداخلية والخارجية ومنع المواطن الفلسطيني من دفع ثمن الخلافات السياسية؟.
إن تجربة انتخابات عام 2006 تبقى محطة أساسية لفهم طبيعة التحديات التي قد تواجه أي انتخابات جديدة فقد حققت حركة حماس فوزاً مهماً في الانتخابات التشريعية وشكلت الحكومة الفلسطينية في لحظة سياسية عكست رغبة جزء من الشارع الفلسطيني في التغيير ومعاقبة الواقع السياسي القائم آنذاك.
لكن تلك التجربة كشفت أن الفوز الانتخابي وحده لا يكفي لصناعة حكم قادر على مواجهة التعقيدات السياسية فالحكومة الجديدة وجدت نفسها أمام واقع دولي وإقليمي شديد الصعوبة حيث رفضت أطراف دولية التعامل معها بسبب الخلاف حول برنامجها السياسي ومواقفها من إسرائيل والاتفاقيات السابقة وفرضت شروطاً سياسية أدت إلى ضغوط مالية وسياسية أثرت على قدرة الحكومة على إدارة مؤسساتها.
وفي الوقت نفسه تصاعد الخلاف الداخلي الفلسطيني وانتهى الأمر إلى الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة عام 2007 وهو انقسام لم يكن مجرد خلاف بين فصيلين بل أصبح أزمة وطنية أثرت على النظام السياسي الفلسطيني وعلى حياة المواطنين وعلى القدرة على مواجهة التحديات الخارجية.
وبغض النظر عن تقييم تلك المرحلة أو اختلاف وجهات النظر حول المسؤوليات فإن الدرس الأهم الذي يجب استخلاصه هو أن الحكم يحتاج إلى أكثر من الشرعية الانتخابية فهو يحتاج إلى قدرة على إدارة الواقع وعلى بناء التوافقات وحماية المؤسسات وتأمين الموارد والتعامل مع الضغوط التي قد تواجه أي حكومة فلسطينية قادمة.
ومن هنا يظهر السؤال المتعلق بمشاركة حركة حماس وأي قوة سياسية أخرى في الانتخابات القادمة فالمسألة لا تتعلق فقط بحق أي فصيل في المشاركة فهذا حق سياسي طبيعي لكل قوة تؤمن بالاحتكام إلى إرادة الشعب وإنما تتعلق بما بعد الفوز: ما هو المشروع السياسي؟ وما هي خطة إدارة الحكم؟ وكيف سيتم التعامل مع الواقع الفلسطيني المعقد؟.
وهنا تبرز قضية اتفاق أوسلو باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حساسية فمنذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية رفضت حركة حماس الاتفاق واعتبرت أن هذا المسار لم يحقق الحقوق الوطنية الفلسطينية بينما أصبحت السلطة الفلسطينية ومؤسساتها جزءاً من حياة ملايين الفلسطينيين من خلال التعليم والصحة والوظائف والخدمات والإدارة اليومية.
وهذا يطرح سؤالا سياسيا مشروعا : كيف يمكن رفض المسار السياسي الذي أنشأ هذه المؤسسات وفي الوقت نفسه السعي إلى قيادتها؟ وهل المشاركة في السلطة تعني التعامل معها باعتبارها مجرد أداة لإدارة شؤون المواطنين؟ أم أن هناك تصورا جديدا لدورها ومستقبلها؟.
وهذا السؤال لا يخص حماس وحدها بل يخص كل القوى الفلسطينية التي تنتقد المسار السياسي القائم أو تطالب بتغييره فرفض أي واقع سياسي يجب أن يكون مصحوباً ببديل عملي قادر على حماية المجتمع والمؤسسات لأن المواطن لا يعيش على المواقف السياسية فقط بل يحتاج إلى رواتب ومستشفيات ومدارس واقتصاد وأمن اجتماعي.
كما أن القضية الفلسطينية لا تختزل في إدارة السلطة فقط فهي قضية شعب يعيش تحت الاحتلال ويسعى إلى الحرية والحقوق الوطنية لكن الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع الحكم يفرض أسئلة جديدة حول العلاقة بين مشروع التحرر الوطني ومتطلبات إدارة حياة ملايين المواطنين.
فكيف ستوازن أي قيادة فلسطينية بين مشروع المقاومة ومتطلبات الحكم؟ وكيف ستتعامل مع التناقض بين متطلبات المواجهة السياسية أو العسكرية وبين مسؤولية حماية المجتمع والحفاظ على المؤسسات؟ وهل يمكن بناء استراتيجية تجمع بين الدفاع عن الحقوق الوطنية وبين إدارة الواقع اليومي للشعب الفلسطيني؟ .
طرح هذه الأسئلة لا يعني رفض المقاومة ولا التقليل من الحقوق الفلسطينية وإنما يعني أن الحكم مسؤولية تحتاج إلى رؤية قادرة على إدارة الخيارات الصعبة لأن القرارات السياسية لا تؤثر فقط على القيادات بل على حياة الناس ومستقبلهم.
كما أن أي انتخابات قادمة قد لا تمنح أي فصيل أغلبية مطلقة وهو ما يجعل الشراكة السياسية أمراً أساسياً فالواقع الفلسطيني أثبت أن لا طرف قادر على إنهاء الطرف الآخر وأن استمرار الصراع الداخلي لن يؤدي إلا إلى إضعاف الجميع وإعطاء الاحتلال فرصة أكبر لفرض وقائعه.
لذلك فإن نجاح أي انتخابات لن يقاس فقط بمن يفوز بل بقدرة الجميع على قبول نتائجها واحترام التعددية وبناء نظام سياسي قادر على إدارة الاختلاف بدل تحويله إلى صراع مفتوح.
ويبقى السؤال الأصعب: هل ستمنح الانتخابات الفلسطينية القادمة فرصة حقيقية لإعادة بناء النظام السياسي أم أنها ستعيد إنتاج أزمة جديدة كما حدث بعد انتخابات 2006؟.
فالمشكلة ليست فقط داخلية لأن أي قيادة فلسطينية ستواجه واقعا إسرائيليا معقدا خصوصا في ظل حكومات إسرائيلية أعلنت رفضها لمسار أوسلو وتعمل على إضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وهذا يطرح سؤالا جوهرياً : إذا جاءت قيادة فلسطينية منتخبة فهل سيكون هناك استعداد دولي وإسرائيلي للتعامل معها؟ أم أن الشعب الفلسطيني سيجد نفسه مرة أخرى أمام أزمة بين شرعية الصندوق ورفض الواقع السياسي المحيط؟.
إن إجراء الانتخابات بحد ذاته ليس كافياً المطلوب هو اتفاق وطني يسبقها أو يرافقها يحدد قواعد اللعبة السياسية ويضمن احترام نتائجها ويمنع تكرار سيناريو الانقسام والصدام.
فالمرحلة القادمة تحتاج إلى قيادة لا تكتفي برفع الشعارات بل تمتلك رؤية واضحة لإعادة إعمار غزة ومواجهة الاستيطان وحماية المؤسسات وإدارة الاقتصاد والحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية دون أن يكون المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن الصراعات السياسية.
في النهاية فإن الانتخابات الفلسطينية القادمة ليست مجرد منافسة على السلطة بل اختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي الفلسطيني على إعادة بناء نفسه.
فالسؤال الذي يجب أن يسبق أي انتخابات ليس فقط: من نريد أن يفوز؟ بل السؤال الأهم: هل يمتلك من سيفوز القدرة والرؤية لقيادة الشعب الفلسطيني في واحدة من أصعب مراحل قضيته الوطنية؟.
فالشرعية تأتي من صندوق الاقتراع لكن قيمة هذه الشرعية تُقاس بقدرة القيادة على حماية شعبها والحفاظ على مؤسساتها وتحويل الثقة الشعبية إلى مشروع سياسي قادر على صناعة المستقبل.

