الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:13 AM
الظهر 12:46 PM
العصر 4:26 PM
المغرب 7:49 PM
العشاء 9:17 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

دور الانتخابات الإسرائيلية في  هندسة الوعي قبل هندسة الإقليم، من يرسم مستقبل المنطقة؟

الكاتب: د. محمد عودة

هل ستفضي الانتخابات الإسرائيلية القادمة إلى تغيير في الشخوص، أم إلى تغيير في الرؤية؟ وهل سيكون الصراع الحقيقي داخل المجتمع الإسرائيلي حول هوية القيادة القادمة، أم حول الطريقة التي يمكن من خلالها الحفاظ على مستقبل إسرائيل؟ ففي ظل التناقضات العميقة التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي، يبرز خلاف جوهري بين من يرى أن الحفاظ على إسرائيل يمر عبر استمرار الحروب، وتصعيد المواجهات في كل الجبهات لفرض وقائع جديدة على الأرض، وبين من يرى أن هذا النهج قد يجعل كلفة الصراع أكثر ارتفاعًا، وأن ضمان المستقبل يحتاج إلى مقاربة مختلفة تعيد النظر في طريقة إدارة العلاقة مع المحيط الإقليمي والدولي،بالاخص جوهر الصراع في الاقليم ،القضية الفلسطينية.

ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة لا تبدو مجرد تنافس بين أحزاب وشخصيات على السلطة، بل تعكس صراعًا أعمق بين رؤيتين حول مستقبل الدولة: رؤية تعتبر الأمن مرتبطًا باستمرار التفوق والقوة، ورؤية ترى أن التحولات الداخلية والإقليمية تفرض البحث عن مسار جديد. لذلك فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمن سيفوز في الانتخابات، بل بأي رؤية ستنتصر في صياغة مستقبل إسرائيل والمنطقة، ومن سيتمكن من هندسة الوعي قبل أن يشارك في هندسة الإقليم.فالسؤال الأهم ليس: من سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية؟ بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا سيأتي بعد الانتخابات؟ وهل نحن أمام تغيير في القيادة الإسرائيلية، أم أمام إعادة إنتاج للمشهد ذاته بأدوات وخطابات جديدة؟ام ان الصراع سياخذ منحى قد يصل الى العنف؟.

تأتي هذه الانتخابات بعد سنوات استثنائية شهدت انقسامًا سياسيًا عميقًا داخل إسرائيل، وأزمة ثقة حول القيادة، وحربًا تركت آثارًا كبيرة على صورة إسرائيل داخليًا وخارجيًا، ودفعت قطاعات واسعة إلى إعادة طرح أسئلة حول مستقبل المشروع السياسي والأمني الإسرائيلي، وفي قلب هذا المشهد يبرز اسم غادي آيزنكوت، الذي تشير بعض استطلاعات الرأي إلى ارتفاع مكانته لدى قطاعات من الناخبين الإسرائيليين، لكن أهمية صعوده لا تكمن فقط في شخصه، بل في السؤال الذي يطرحه هذا الصعود: هل يبحث المجتمع الإسرائيلي عن تغيير حقيقي في المسار، أم عن تغيير في طريقة إدارة المسار؟

فانتقال السلطة من بنيامين نتنياهو إلى شخصية قادمة من المؤسسة العسكرية لا يعني بالضرورة انتقالًا من منطق القوة إلى منطق التسوية، فقد يكون التغيير في الخطاب والأسلوب وطريقة إدارة القرار، بينما تبقى القضايا الكبرى المتعلقة بالأمن، والفلسطينيين، والحدود، وطبيعة العلاقة مع المنطقة، محكومة بحسابات استراتيجية أعمق من الأشخاص.

ومن هنا، فإن الأزمة الإسرائيلية الحالية لا تبدو مجرد أزمة قيادة، بل أزمة مرتبطة بأسئلة جوهرية حول مستقبل الدولة نفسها: هل تستطيع إسرائيل الاستمرار في إدارة الصراع إلى ما لا نهاية؟ أم أن التحولات الإقليمية والدولية بدأت تفرض عليها مراجعة خياراتها؟

وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة الانتخابات الإسرائيلية بمعزل عن الدور الأمريكي. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى إسرائيل فقط باعتبارها حليفًا استراتيجيًا، بل باعتبارها جزءًا من مشروع أوسع لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل التغيرات التي فرضتها الحرب على غزة، والتحديات الإقليمية المتزايدة، والحاجة الأمريكية إلى بناء ترتيبات جديدة في المنطقة.

ومن هنا تكتسب المفاوضات الأمريكية–السعودية أهمية خاصة، فهي لا تتعلق فقط بإمكانية تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، بل ترتبط بمستقبل التوازنات الإقليمية. فواشنطن ترى في العلاقة مع الرياض عنصرًا أساسيًا في رؤيتها للمنطقة، بينما تسعى السعودية إلى تثبيت دورها ومصالحها، مع التأكيد على أن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها.

وهنا تظهر القضية الفلسطينية باعتبارها العقدة الأكثر حساسية في أي ترتيب إقليمي جديد، فالسؤال لم يعد فقط: هل يحدث التطبيع السعودي–الإسرائيلي؟ بل: ما موقع الدولة الفلسطينية في هذه المعادلة؟ هل سيكون الحديث عن دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية، أم عن صيغة سياسية محدودة الصلاحيات تحمل اسم الدولة دون مضمونها؟ وهل سيكون هناك مسار واضح وملزم نحو الحل السياسي، أم مجرد عبارات عامة تفتح الباب للتأجيل والمماطلة؟

إن أهمية هذا السؤال تنبع من أن أي تفاهمات إقليمية مقبلة ستحتاج إلى إجابة عن القضية التي بقيت لعقود في قلب الصراع. فمحاولات تجاوز الفلسطينيين أو اختزال قضيتهم في ترتيبات أمنية أو اقتصادية قد تؤجل الأزمة، لكنها لن تنهيها.

ومن هنا يصبح السؤال الفلسطيني مرتبطًا بالسؤال الإسرائيلي والأمريكي والسعودي في آن واحد: هل سيكون الفلسطينيون طرفًا أساسيًا في صياغة مستقبلهم، أم أن مستقبلهم سيبقى موضوعًا للتفاوض بين القوى الكبرى والإقليمية؟

بعد الانتخابات الإسرائيلية يمكن تصور عدة مسارات محتملة. فإذا نجح غادي آيزنكوت في الوصول إلى الحكم وتشكيل حكومة مستقرة، فقد ترى واشنطن في ذلك فرصة لإعادة إطلاق مرحلة سياسية مختلفة، خصوصًا أن خلفيته العسكرية قد تمنحه قدرة أكبر على التعامل مع المؤسسة الأمنية والشارع الإسرائيلي. لكن التحدي الحقيقي سيبقى: هل يستطيع إنتاج تغيير في السياسات، أم أنه سيكتفي بتغيير الأسلوب وإدارة الصراع بصورة أكثر قبولًا لدى المجتمع الدولي؟

فالتغيير بين شخصيتين قادمتين من بيئتين سياسيتين مختلفتين لا يعني بالضرورة تغييرًا في جوهر الرؤية الإسرائيلية. فقد تتغير اللغة، وقد تتغير طريقة تقديم المواقف، لكن السؤال الأساسي سيبقى حول مدى الاستعداد لمعالجة جذور الصراع، وليس فقط إدارة نتائجه.

أما استمرار نتنياهو أو عودة معسكره إلى القوة، فهو سيناريو يبقى حاضرًا رغم كل الأزمات التي واجهها. فقد أثبت نتنياهو خلال سنوات طويلة قدرة على إعادة بناء التحالفات السياسية، والاستفادة من خطاب الأمن، ومخاوف قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي من أي تغيير في مرحلة إقليمية مضطربة.

لكن بقاء نتنياهو سيضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة: هل تستطيع واشنطن تحقيق اختراق إقليمي كبير مع حكومة تعتمد على تحالفات سياسية قد لا تكون مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية في الملف الفلسطيني؟ وهل يمكن أن تتحول الحاجة إلى إنجاز تاريخي مع السعودية إلى عامل يدفع إسرائيل إلى مراجعة بعض مواقفها؟

وهناك احتمال ثالث يتمثل في فوز انتخابي دون القدرة على تشكيل حكومة مستقرة، وهو سيناريو قد يعيد إسرائيل إلى حالة من عدم اليقين السياسي. ففي هذه الحالة لن تكون المشكلة فقط في هوية الفائز، بل في قدرة النظام السياسي على إنتاج حكومة قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية.

أما السيناريو الأوسع، فهو أن تفرض التطورات الإقليمية نفسها على السياسة الإسرائيلية. فإذا وصلت المفاوضات الأمريكية–السعودية إلى مرحلة متقدمة، فقد تصبح الحاجة إلى ترتيب إقليمي جديد عاملًا مؤثرًا في المشهد الإسرائيلي الداخلي، وربما تجعل الانتخابات جزءًا من عملية أكبر لإعادة تشكيل المنطقة.

وعند النظر إلى هذه التحولات من زاوية تاريخية أوسع، نجد أن صعود الدول وقوتها لم يكن مرتبطًا فقط بما تمتلكه من أدوات عسكرية وسياسية، بل بقدرتها على قراءة الواقع ومراجعة خياراتها. فالتاريخ يعلمنا أن القوة حين تنفصل عن الحكمة قد تتحول من مصدر حماية إلى مصدر أزمات.

وفي هذا الإطار يمكن فهم حضور القراءات الدينية والتاريخية التي ترافق بعض المجتمعات عند تفسير التحولات الكبرى، ومنها النقاشات حول سنن التاريخ وصعود الأمم وتراجعها. فالنصوص الدينية تحمل أبعادها الإيمانية والفلسفية، بينما تحتاج الأحداث السياسية إلى قراءة تقوم على الوقائع والمصالح والخيارات البشرية.

لكن السياسة في النهاية يصنعها البشر، والقرارات التي تتخذها الدول هي التي تحدد اتجاهاتها. فالانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد تنتج حكومة جديدة، لكنها لن تحسم وحدها مستقبل المنطقة. ما سيحدد المسار هو قدرة الأطراف المختلفة على قراءة اللحظة التاريخية: الولايات المتحدة بمصالحها، والسعودية بدورها الإقليمي، وإسرائيل بتحدياتها الداخلية، والفلسطينيون بحقهم في الحرية وتقرير المصير، ويبقى السؤال الأكبر: هل ستكون الانتخابات الإسرائيلية بداية مراجعة تاريخية تفتح الباب أمام مسار سياسي جديد، أم أنها ستكون مجرد إعادة هندسة للصراع بأدوات أكثر حداثة؟ فربما لا يكون الصراع الحقيقي فقط حول من يجلس في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بل حول من يملك القدرة على صياغة  الرؤية التي ستحدد شكل المنطقة في السنوات القادمة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...