الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:14 AM
الظهر 12:46 PM
العصر 4:26 PM
المغرب 7:48 PM
العشاء 9:16 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الإغلاق المعرفي الانتقائي وأزمة المبادئ: حين تفقد المبادئ شموليتها

الكاتب: د. محمد عودة

هناك فرق جوهري بين أن يخطئ الإنسان في قراءة الواقع، وبين أن يعطل أدواته النقدية عندما يقترب من موضوع لا يريد إخضاعه للفحص، فالخطأ جزء من طبيعة البشر، أما تعطيل القدرة على النقد فهو ظاهرة أكثر تعقيدًا، لأنها لا تعني غياب المعرفة، بل قد تحدث أحيانًا عند أشخاص يمتلكون مستويات عالية من الثقافة والخبرة والقدرة على التحليل.

فقد نجد بين الأدباء والعلماء والباحثين والصحافيين والسياسيين أشخاصًا أظهروا عبر سنوات طويلة قدرة استثنائية على التفكير والتحليل والنقد، وأثبتوا براعة في تفكيك الأفكار ومراجعة المواقف، لكنهم عندما يصلون إلى قضية محددة، تتحول أدواتهم النقدية فجأة إلى أدوات دفاعية؛ فيصبح الهدف ليس البحث عن الحقيقة، بل حماية قناعة سابقة.

هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها بالجهل، لأن أصحابها ليسوا قليلي المعرفة، ولا يمكن تفسيرها بضعف الذكاء، لأن كثيرًا ممن يقعون فيها يتمتعون بقدرات فكرية عالية، كما لا يكفي وصفها بالتعصب، لأن التعصب يفسر التمسك بالموقف، لكنه لا يفسر لماذا يعمل العقل النقدي بكفاءة في معظم المجالات ثم يتوقف عند مجال واحد.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم يمكن أن نطلق عليه "الإغلاق المعرفي الانتقائي"، وهو الحالة التي يحتفظ فيها الإنسان بقدرته على التفكير والتحليل والمراجعة في معظم القضايا، لكنه يعطل هذه القدرة، بصورة واعية أو غير واعية، عندما يتعلق الأمر بموضوع يرتبط بهويته أو انتمائه أو منظومته الفكرية أو مصالحه النفسية والسياسية.

في هذه الحالة لا يتوقف العقل عن العمل، لكنه يغير وظيفته. فبدل أن يبحث عن الحقيقة، يبدأ في البحث عن الحجج التي تدعم موقفًا حُسم مسبقًا، وبدل أن يسأل: ما الذي تقوله الأدلة؟ يصبح السؤال غير المعلن: كيف أحافظ على الرواية التي أؤمن بها؟

ولعل أخطر ما في الإغلاق المعرفي الانتقائي أنه لا يظهر دائمًا في صورة رفض واضح للحقيقة، بل يظهر غالبًا في صورة إعادة تفسير للمبادئ نفسها، فالإنسان لا يقول إنه ضد العدالة، أو ضد حقوق الإنسان، أو ضد حماية المدنيين، لكنه يبدأ بإضافة استثناءات تجعل هذه المبادئ قابلة للتطبيق في مكان وغير قابلة للتطبيق في مكان آخر.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للمبادئ. فالمبدأ لا تكون قيمته عندما ينسجم مع مصالحنا ومواقفنا، بل عندما يفرض علينا موقفًا لا نرغب فيه. فالعدالة التي تتغير حسب هوية الضحية أو هوية الطرف الآخر لا تعود عدالة كاملة، والقانون الذي يصبح أكثر صرامة مع طرف وأقل صرامة مع طرف آخر يفقد جزءًا من معناه، والمبدأ الذي يحتاج دائمًا إلى استثناءات كي ينسجم مع رغباتنا يتحول من قيمة أخلاقية إلى أداة تبرير.

إن ارتباط بعض الأفكار بالهوية الإنسانية يجعل مراجعتها أكثر صعوبة، فالإنسان لا يدافع دائمًا عن فكرة لأنها صحيحة فقط، بل قد يدافع عنها لأنها أصبحت جزءًا من تعريفه لذاته،وعندما يشعر بأن نقد الفكرة يعني نقد هويته أو جماعته أو تاريخه، يتحول النقاش من بحث عن الحقيقة إلى محاولة لحماية الذات.

وهنا تظهر إحدى أهم آليات الإغلاق المعرفي الانتقائي: الخوف من نتائج الاعتراف بالخطأ، فبعض القناعات لا تستمر لأنها قوية بالضرورة، بل لأن التخلي عنها يحمل كلفة نفسية واجتماعية كبيرة، وقد يجد الإنسان نفسه أمام خيار صعب: إما مراجعة موقفه، أو إعادة تفسير الواقع بما يحمي هذا الموقف.

وقد ظهر الاغلاق المعرفي ،او الغباء الاخلاقي (كما اسماه ايلان بابيه) بوضوح في النقاشات الفكرية والسياسية المعاصرة حول العديد من القضايا الدولية، وعلى راسها النقاش حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي خاصة بعد العدوان المتواصل على قطاع غزة والضفة الغربية ، فقد أشار عدد من الباحثين والمفكرين، ومن بينهم المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، إلى ما يرونه من أن بعض النخب الفكرية والسياسية والإعلامية تتعامل مع هذه القضية بمعايير مختلفة عن المعايير التي تستخدمها في قضايا دولية أخرى ،فبالرغم من صدور قرارات احترازية من محكمة العدل الدولية حول الابادة الجماعية الا ان الكثيريم من اصحاب الغباء القيمي لا زالو يدافعون عن اسرائيل.

دول الغرب مجتمعة وعلى راسها الولايات الامريكية تعاملت مع موضوع الحرب الاكرانية الروسية على اعتبار ان قيم الغرب تفرض على الحكومات الديموقراطية معاقبة المعتدي وبما ان روسيا هي المعتدية فقد طالتها عقوبات شملت تجميد اصول البنك الروسي،اخراج بنوك روسيا من نظام سويفت،حظر تصدير التكنلوجيا،قيود على الاستيراد والتصدير اضافة الى قيود عل الطيران،وتعتبر روسيا الدولة الاكثر تعرضا للعقوبات ،وكل هذه العقوبات تحظى برضا تلك الشريحة التي يجتاحها الاغلاق المعرفي.

وسواء اتفق الإنسان مع هذا التقييم أو اختلف معه، فإن السؤال الأعمق الذي يطرحه يبقى جديرًا بالدراسة: لماذا تستطيع بعض القضايا أن تدفع أشخاصًا ومؤسسات تمتلك تقاليد نقدية قوية إلى التعامل معها بمنهج مختلف؟ ولماذا تصبح بعض الملفات مناطق حساسة يتراجع فيها الاستعداد لمراجعة الأفكار أو اختبار المبادئ؟

إن أهمية هذا السؤال لا ترتبط بقضية واحدة، لأن الإغلاق المعرفي الانتقائي ليس ظاهرة تخص مجتمعًا أو أيديولوجيا بعينها،فهو يمكن أن يظهر في السياسة، والدين، والتاريخ، والثقافة، وحتى في العلوم، عندما يصبح الانتماء أقوى من القدرة على المراجعة.

ولهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ بمحاولة تغيير الآخرين، بل تبدأ بسؤال الإنسان لنفسه: هل أطبق المبادئ نفسها عندما تكون ضد موقفي كما أطبقها عندما تكون في صالحي؟

فالعقل النقدي الحقيقي لا يتمثل فقط في القدرة على اكتشاف أخطاء الآخرين، بل في القدرة على البحث عن أخطائنا نحن، والمثقف الحقيقي ليس من لا يخطئ، بل من يمتلك الشجاعة لمراجعة أفكاره عندما تواجهه الأدلة.

إن العالم اليوم لا يعاني فقط من نقص المعلومات، بل يعاني من مشكلة أكثر تعقيدًا: القدرة على اختيار المعلومات التي تؤكد ما نريد تصديقه، وتجاهل ما يزعج قناعاتنا، ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين من يملك المعرفة ومن لا يملكها، بل بين من يستخدم المعرفة للوصول إلى الحقيقة، ومن يستخدمها لحماية روايته الخاصة.

وفي النهاية، فإن الدفاع عن المبادئ يبدأ عندما نتوقف عن التعامل معها كأدوات تخدم مواقفنا، ونبدأ في التعامل معها كمعايير تحكمنا نحن قبل أن نحكم بها على الآخرين، فالمبدأ الحقيقي لا يحتاج إلى حماية عندما يكون سهلًا، بل يحتاج إلى شجاعة عندما يصبح صعبًا، وهنا يظهر الفرق بين من يؤمن بالقيم، ومن يستخدم القيم.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...