الانتخابات في زمن اللا سياسة
الكاتب: د.ايادالبرغوثي
القول بأن كثيراً من المواضيع العامة التي يتداولها الفلسطينيون منذ فترة لم تعد قصيرة هي خارج السياق، وتهدف إلى تكريس حالة اللا معنى، فيه الكثير من الصحة رغم أنه يبدو قاسيا. هذا له علاقة بالسياسات التي تهدف إلى أخذ الرأي العام، ليس إلى أحكام خاطئة فقط، بل تهدف إلى تغييب الجمهور كليا عن واقعه وعن ما يجري حوله وبحقه (يدعو لأندلس إن حوصرت حلب). هذا ينطبق على موضوع الانتخابات الذي يكثر الحديث عنه هذه الأيام.
لنتصور حال الفلسطينيين، في ظل حروب طاحنة في الإقليم، ومحاولات جدية لإعادة صياغة الشرق الأوسط، وإبادة جماعية طالت جزءا عزيزا من الشعب، ومصادرة أراضٍ وبوادر تطهير عرقي يطال جزءا آخر، وفي الوقت الذي تذهب فيه الطبقة الوسطى الفلسطينية مسرعة إلى حالة الفقر بعد أن سبقتها الطبقات الدنيا، في وسط كل ذلك، لا "صوت يعلو فوق صوت الانتخابات"؛ الرسميون يُحَضرون لوجستيا لإجرائها، والسياسيون يرتبون القوائم ويحذرون من تأجيلها هذه المرة، و"الشفافون" يؤكدون على ضرورة نزاهتها، والمثقفون يناقشون المشاركة أو المقاطعة، و"المستفيد" يراقب بارتياح كل ذلك ويعمل ما يريد، والنتيجة آخر ما يهمه.
أية حالة "نفسية" تلك التي يعيشها الفلسطينيون؟، فبعد مئة عام من الاحتلال باتوا يملكون كل الحق في مراجعة تلك الحالة"، إذ يبدو أنهم يعيشون حالة "إنكار"جماعية، أوصلتهم إلى حالة تطبيع مع الخطر، بحيث أصبحوا يفترضون أن المستقبل مهما جرى سيشبه الماضي، وبالتالي ما عليهم إلا المواصلة كما هم، دون الاكتراث بكل مؤشرات الكارثة التي تتراكم أمامهم. على ما يبدو أنهم صنعوا لأنفسهم، أو صُنع لهم، وعيا جماعيا "زائفا"، يشغلون به انفسهم أو يتم إشغالهم به، بينما هم مغَيبون عن التهديدات الجدية على وجودهم، وسلوكهم بات منفصلا ليس فقط عن مصالحهم الحقيقية، بل أيضا عن الواقع الذي يعيشوه.
أليس ملفتا للنظر ذلك الإصرار على الانتخابات والتفاعل معها "بحماس" في هكذا ظروف؟. هل "التقاليد" الانتخابية والديموقراطية الفلسطينية تحتم إجراء الانتخابات مهما حصل ويحصل، مع أن التقاليد الحقيقية في هذا المجال عكس ذلك تماما؟، حيث تم تأجيل تلك الانتخابات وتجاوزها مرارا وبحاجة مختلفة.
في الحالة الفلسطينية حيث يكثر الفاعلون بينما المفعول به واحد، من يريد الانتخابات؟. والذي يريدها لماذا يريدها؟. وهل تهمه نتائجها أم مجرد إجراءها أو ربما الحديث عنها فقط؟. ثم أليس محقا السؤال بعد أن تم مؤخرا إجراء عمليتين انتخابيتين للحكم المحلي ولحركة فتح، ما الذي تم تحقيقه من ذلك؟، فهل الوضع بعدها بات أفضل مما كان قبلها؟، وهل تشجع النتائج على المضي بعزيمة أكبر نحو الانتخابات القادمة؟. هل سؤال الجدوى وارد في ما يقوم به الفلسطينيون بالمجمل؟، أم أنهم يكتفون بالقيام بما هو مطلوب منهم وبعدها يكون ما يكون؟.
انشغال الفلسطينيين بالذي ليس هو الأساس حافل في تاريخهم المعاصر، والذي هو الأساس في الحالة الفلسطينية ليس هو بالضرورة ما يقرروه دائما، فأية مراجعة بسيطة لما انشغل به الفلسطينيون (سواء انشغلوا أوتم إشغالهم)، ومقارنته بانشغالات الإسرائيليين ملفت للنظر، فالفلسطينيون منذ سنوات انشغلوا بالحديث عن أمور بدت خارج السياق تماما (مجرد حديث)؛ انشغلوا بالحديث عن المفاوضات بينما الاستيطان مستمر، وبالمصالحة والاستيطان مستمر، وببناء المؤسسات، وبالانقسام وبالشرعية والاعتراف الدولي والمقاصة والرواتب وفلان وعلنتان وبالبنزين وأخيرا وليس آخرا بالانتخابات والاستيطان مستمر، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أضيف اليه الإبادة الجماعية والتطهير العرقي... لسان حال الإسرائيليين يقول، ناقشوا ما تريدون، أو خذوا هذا الأمر وناقشوه، واتركونا نفعل ما نريد بدون ضجيج أو بالحد الأدنى منه، بل لا يكتفوا بذلك، فهم والفلسطينيون يفعلون "ما يريدون" يعملون على توجيههم لتسهيل فعل ما يريدون هم.
هذا بوجهه "التراجيدي" مفيد للطرفين، فالفلسطينيون يبدون كمشغولين وذلك مفيد "لتبرير" الوجود ولراحة "الضمير" و"تحليل" (من حلال) الحالة وأحيانا تمرير "المخططات"، والإسرائيليون منشغلون بمشروعهم بين استيطان وقتل وحروب واحتلال وتفكيك وإعادة تركيب.
بعد هذا الكلام حول الوضع الذي يتم فيه تناول موضوع "الانتخابات" فلسطينيا، من المفيد إيضاح الموقف منها استنادا إلى مفهوم الفلسطينزم كونه يمثل فلسفة تحرر العالم من حالة الهيمنة وحيث فلسطين مرتكز الحالة المعرفية بالعالم.
سؤال الفلسطينزم المتعلق بالانتخابات ليس هل تجري أم لا، ولا ضرورة المشاركة من عدمها، بل أي مشروع وطني ستخدمه هذه الانتخابات؟. انطلاق هذا السؤال يستند إلى واقع فلسطيني لم يعد فيه سياسة، وهل يبقى للانتخابات أي معنى في ظل "موت" السياسة أو غيابها؟.
وللتوضيح، غياب السياسة لا يعني غياب المؤسسات أو الأحزاب أو أي فعل يحمل طابعا "سياسيا" بما فيه الانتخابات، بل يعني أن الفضاء السياسي الحقيقي انكمش إلى حد بعيد، وأصبح الفعل الفلسطيني محكوما ببنى خارجية أكثر مما هو نابع من إرادة فلسطينية مستقلة.
هذا يفسّر من عدة زوايا؛ ففي هذا السياق السياسة هي القدرة على اتخاذ قرار يتعلق بالمصير الجماعي، أما أن تتحول إلى إدارة تقتصر على تسيير الحياة اليومية (الرواتب، الخدمات، التوقيت الصيفي...) دون القدرة على تقرير قضايا السيادة والحدود والأرض فإن ذلك لا يعتبر سياسة أبدا.
تغيب السياسة عندما يحتكر الاحتلال القرار السيادي، فيتحكم بالأرض وبالحدود وبالحركة والاقتصاد والسجل السكاني. بذلك يحتفظ الاحتلال بجوهر السياسة ويترك للفلسطينيين هامشا إداريا. هنا تصبح السياسة الفلسطينية في حال وجودها تدور داخل حدود الطرف الأقوى، وهو دوران لا ينم عن رغبة في التخلص من الوضع، بقدر ما هو آلية للتساكن معه.
كما أن السياسة تقتضي تعدد الخيارات ووجود البدائل أمام المجتمع ليخرج من مشاكله. أما أن تنهار الخيارات، أو تصبح الكبرى منها كالدولة والمقاومة والتسوية والاقتصاد وكل ما يتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني، مقيدة ببنية الاحتلال والاعتماد الدولي، فإن التنافس يصبح في أحسن حالاته على إدارة الواقع لا تغييره، وهو ما لا يحتاج لا لانتخابات ولا لكثير مما ينشغل الفلسطينيون بالحديث عنه.
أصبحت القرارات المصيرية المتعلقة بفلسطين تُصنع بعيدا عنها بأيدي الاحتلال وقوى الهيمنة العالمية، بينما يقتصر الدور الفلسطيني على الأغلب على محاولة التكيف مع ذلك. هذا يتطلب عودة الفلسطيني ليكون ذاتا تحررية تستعيد السياسة بمعناها الحقيقي، أي إعادة تعريفه باعتباره فاعلا تاريخيا قادرا على إنتاج مشروع تحرري جديد، لا مجرد طرف يتفاعل مع ما يفرض عليه.
انطلاقا من هذا الإطار النظري للفلسطينزم، فإن تقييم المشاركة أو المقاطعة كما هو في حالة الانتخابات الآن، يقاس بمدى استعادتها للسياسة بوصفها فعلا تحرريا. فالمشاركة كما المقاطعة ليست سياسة بذاتها، ولا تعد إنجازا سياسيا لمجرد أنها انتخابات، فإذا كانت الانتخابات تجري في بنية لا تملك السيادة ولا تستطيع تغيير موازين القوى، فقد تكون إعادة إنتاج للواقع أكثر من كونها تغييرا له، أو ربما تكون متطلبا لتغيير نحو الأسوأ وهو الأرجح في هذه الحالة.
المقاطعة كذلك، فمجرد الامتناع عن التصويت لا يعتبر عملا سياسيا إذا لم يقترن بمشروع بديل يعيد تنظيم المجتمع، أو يبني أدوات تحرر جديدة، فهي إن لم تؤد إلى ذلك تكون انسحابا من المجال العام لا أكثر. السؤال اذاً ليس المشاركة أو المقاطعة، بل هل يزيد هذا الخيار قدرة الفلسطيني على استعادة الفعل السياسي أم يكرس اندماجه في منظومة إدارة الاحتلال، وهو ما أدت اليه معظم التجارب الفلسطينية السابقة بشكل أو بآخر.
لقد أثبتت تلك التجارب، أن كثيرا من الأحزاب سواء شاركت أم قاطعت بقيت أسيرة الإطار نفسه، فالمشاركون يتنافسون على إدارة سلطة محدودة الصلاحيات وعلى من سيقوم بتنفيذ "المهمة"، والمقاطعون كثيرا ما لا يقدمون تصورا مؤسسيا بديلا، بذلك يصبح الخلاف بينهما على الوسيلة، لا على إعادة تعريف السياسة.
من هذا المنظور، يبدأ الفعل السياسي الحقيقي عندما تنجح القوى الفلسطينية في بناء مشروع وطني يعيد للفلسطينيين قدرتهم على التأثير في مستقبلهم، سواء استخدمت الانتخابات كأداة ضمن ذلك أو تم تجاوزها إذا أصبحت تعيق تحقيقه. الخلاصة إذاً أن الانتخابات ليست معيار السياسة، كما أن مقاطعتها ليست معيار المقاومة، فالمعيار هو ما إذا كان هذا الخيار يعيد إنتاج البنية القائمة، وهو على الأغلب ما سيحدث إذ هو "مصمم" لذلك على ما يبدو، أم يفتح أفقا جديدا للتحرر.

