الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:21 AM
الظهر 12:46 PM
العصر 4:26 PM
المغرب 7:43 PM
العشاء 9:09 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الفلسطينيون وجائزة التحمّل الكبرى

الكاتب: نبيل عمرو

لو وضعت جهةٌ أو عدة جهاتٍ دولية، جائزةً تفوق في وزنها وعدالتها جائزة نوبل، وسُمّيت جائزة التحمّل، لفاز بها الشعب الفلسطيني بجدارةٍ ودون منافس.

حجم الثقل الواقع على كاهله، لا يوازيه أي ثقلٍ في أي مكان، ولا يكابده أي شعب، والمقصود هنا ليس فقط ما تكابده غزة، التي يعاني الناس فيها من عدم توفّر ماءٍ نظيفٍ للشرب، بحيث الاستحمام ترفاً، وعدم توفّر جرعة دواء لتخفيف الألم دون الطمع بعلاجه، وموت الأطفال صار نمطاً يومياً من أنماط حياتهم، وأشياء أخرى لا يوجد مثيلٌ لقسوتها في أي مكانٍ على وجه الأرض.

ولأن ما تتعرض له غزة يقترب من أن يبلغ عامه الثالث، فيبدو أن العالم تعوّد على رؤية ما يجري، ولم يعد له من قدرةٍ على تقديم ما هو مطلوب، سوى التعاطف والاستسلام لقلة الحيلة.

وفي الضفة حيث لا إبادة تحاكي إبادة غزة، إلا أن الناس فيها يكابدون وبآلامٍ عميقةٍ عذاباتٍ يوميةٍ تمسّ حياتهم، أساسها القلق على كل شيء... على حقلٍ متواضعٍ وضع المستوطنون عينهم عليه ليستخدموه كمزرعةٍ وفق خطط سموتريتش وما يسمّيه بثورة استيطان الضفة، وقلقٌ على الأبناء ألا يعودوا إلى البيت إذا ما قرر قناصٌ من الجيش أو المستوطنين إطلاق رصاصهم عليهم، وقلق الموظف الذي بنى حياته على راتبٍ بالكاد يفي باحتياجاته، فإذا به يتقاضى نصفه دون أن يفارقه القلق على أن لا يحصل عليه في الشهر المقبل، وقلق رجل الأعمال الذي لا يعرف متى تنفذ إسرائيل وعيدها بتدمير البنوك الفلسطينية وسد رئات تنفسها بما يؤثر على كل ما يقيمه الفلسطينيون من مشاريع ومؤسساتٍ اقتصاديةٍ إنتاجية ومصادر دخلٍ وحياة، وقلق العامل الذي يتعرض لبطالةٍ ترغمه على أن يتغذى على لحمه الحي، وما يتبقى منه وكل يومٍ لا يجد فيه عملاً يتساءل بمرارة إلى متى؟، وقلق من رمته أقداره للعمل في مدينةٍ ولا يستطيع زيارة ذويه في المدينة الأخرى، ولا حتى لو كانوا في قريةٍ مجاورة.

لم تصل الأمور في الضفة من حيث القتل والتدمير، إلى المستوى الذي وصلت إليه في غزة، ولكن القلق من كل شيءٍ وعلى كل شيء، هو مصدر الألم العميق الذي يقضّ مضاجع الناس حتى لو بدت حياتهم على السطح كما لو أنها قريبةٌ من العادية.

قدر الفلسطينيين أن يدفعوا ثمناً باهظاً لكل شيء. ثمناً للحصار الدائم عليهم، من إسرائيل أساساً ومن العجز المحيط بهم من كل جانب، وثمن احتياجات الإسرائيليين لقهرهم كلّما ازداد صراعهم الداخلي، بحيث قهر الفلسطينيين صار رصيداً لكل طامعٍ لمقعدٍ في الكنيست أو للجدارة بوزارة، وما أكثر صراعات الإسرائيليين فيما بينهم حتى يكون الفلسطينيون دائماً وقوداً لها.

وحين لا يطمئن الانسان على أبسط حقوقه في الحياة، وأبسط مقوّماتها مهما بدت متواضعة، وأبسط شعورٍ بالأمن والأمان لأبنائه وبناته وحاكورته التي يأكل منها، ولمرتبه المتناقص أمام تزايد أعباء المعيشة العادية، فهذه هي المأساة الشاملة، التي يكابدها الفلسطينيون في أي مكانٍ وجدوا عليه.

ومن هنا أنتقل إلى الوجه الآخر للحقيقة، وهو أن الفلسطينيين طائعين أو مكرهين أجمعوا على خاصية التحمّل، فمن غيرهم يتعرّض لما يتعرضون له، ويتحمّل، وكلمة سر التحمل الاعجازي لدى الفلسطينيين أنهم جرّبوا ذات مأساة، الهروب من الألم والخوف في أزمانٍ سابقة، ليكتشفوا أن الألم على أرض الوطن أخف وطأةً من الألم في حياة الغربة واللجوء والإهانات الظاهرة والمستترة، وهذا ليس كلام مواساة، بل هو الحقيقة المثبتة بقوةٍ واستمرار، وبأرقام المغادرين والعائدين والباقين، وبالارتفاع الفلكي لأعداد المتزاحمين على مقاعد المعاهد والجامعات، والخريجين الذين يعدّون بمئات الألوف، وأهم ما حققه الفلسطيني في معجزة بقائه على أرض الوطن هو قدرته الفائقة على التحمّل، وهذا ما دعاني إلى اقتراح نيله أهم جائزةٍ افتراضيةٍ تفوق نوبل والفيفا، هي جائزة التحمّل، وهو ليس تحمّلاً عاجزاً بل تعززه قوة الحياة واستمراريتها وقدرة الفلسطيني على مواصلة بنائها على أرض الوطن، بكل ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وبين يديه الكثير لمواصلة ذلك.

في وعي الفلسطيني يقينٌ بأن التحمّل صار شرط حياةٍ له ولأبنائه ولأحفاده ولمستقبلهم، دون أن يفارقه الأمل بأيامٍ أفضل لابد وأن تأتي.

 

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...