سَعِيدُ أَبُو النَّحْسِ المُتَشَائِلُ لَمْ يَخْتَفِ... بَلْ أَصْبَحَ هُوَ الحِكَايَةُ
الكاتب: د. محمد عودة
هناك كلمات تولد لتصف لحظة عابرة، وهناك كلمات تولد لأنها كانت تبحث عن اسم يليق بتجربة كاملة، ولعل أعظم ما قدمه إميل حبيبي في روايته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" أنه لم يبتكر شخصية روائية فحسب، بل ابتكر كلمة أصبحت قادرة على اختصار حالة فلسطينية وإنسانية عميقة، فالتشاؤل ليس مجرد لعبة لغوية تجمع بين التشاؤم والتفاؤل، بل هو اختراع فلسطيني بامتياز، لأنه وُلد من واقع لم يسمح للفلسطيني بأن يستسلم لليأس، ولم يسمح له في الوقت نفسه بأن يعيش وهمًا بعيدًا عن قسوة الحقيقة.
لقد عاش الفلسطيني تاريخًا لا يشبه التجارب العادية، فُقدَ بين الفقدان والبقاء، وبين الذاكرة والاقتلاع، وبين الحزن والأمل، نشأت حالة خاصة احتاجت إلى لغة جديدة، لم يكن الفلسطيني قادرًا على أن يكون متشائمًا بالكامل، لأن التشاؤم الكامل يعني التخلي عن الحكاية، ولم يكن قادرًا على أن يكون متفائلًا بطريقة ساذجة، لأن الواقع كان أقسى من أن يُنكر، لذلك جاء التشاؤل باعتباره القدرة على حمل التناقضات معًا: أن يرى الجرح ولا يسمح له بإلغاء الحياة، وأن يعرف صعوبة الطريق ولا يتوقف عن السير.
لقد قررنا أن نبحث عنه، لا في صفحات الرواية فقط، بل في الأماكن التي بقيت فيها الحكاية الفلسطينية حية، بحثنا عنه في المخيمات والمدن والقرى، في الوطن والمنفى، في الذاكرة التي رفضت أن تتحول إلى ماضٍ منسي، لكننا لم نجد شخصًا واحدًا يحمل اسم سعيد، بل وجدنا كثيرين يؤكدون أنهم رأوه.
حيث أقسم أسعد أنه رأى سعيدًا يعيش في مخيم جنين،و قال إنه جلس معه بين الأزقة التي تحمل آثار الصمود، وإنه وجده كما تركه إميل حبيبي: ساخرًا من المفارقات، حزينًا على ما فقد، لكنه متمسك بالحياة،و قال إن سعيد كان يرى في المخيم أكثر من مكان للجوء؛ كان يراه شاهدًا على أن الحكاية لم تنتهي.
أما أمجد، فقد أقسم بأغلظ الأيمان أنه شرب معه القهوة في مخيم الفوار، قال إنهما تحدثا عن القرى التي غابت عن الخرائط لكنها بقيت في الذاكرة، وعن الأسماء التي لم تستطع السنوات الطويلة محوها، وأضاف أن سعيدًا كان يعرف أن الإنسان قد يُبعد عن بيته، لكنه لا يُبعد عن المكان ما دام قادرًا على روايته.
أما جمال فأصر على أنه يتسامر معه يوميًا في مخيم قلنديا،و قال إنه يراه بين الحواجز والمنتظرين، يراقب المسافات التي صنعتها السياسة بين أبناء المكان الواحد، ويسأل أسئلته القديمة: كيف يمكن لوطن واحد أن يصبح مجموعة من المسافات؟ وكيف يمكن للإنسان أن يبقى قريبًا من أرضه وهو يواجه كل هذه الحواجز؟
اتصل سميرمن لبنان هاتفيا وأقسم بالإنجيل والقرآن أنه أرسل العشاء الليلة الماضية إلى سعيد في مخيم عين الحلوة، قال إن سعيد لم يغادر فلسطين، بل حملها معه إلى الشتات، وإن المخيمات خارج الوطن لم تكن نهاية الحكاية، بل أماكن حفظتها من النسيان.
ونحن نواصل البحث جائتنا رسالة نصية من احمد تقول إنه رأى سعيدًا يراقب ما يحدث في حلب من شباك بيت عتيق في مخيم النيرب، كان سعيد هناك أيضًا، يحمل فلسطين في مكان بعيد عنها، وكأنه يثبت أن الوطن ليس فقط ما تحت الأقدام، بل ما يسكن الذاكرة والوجدان.
أما عزة أم الشهداء، فرغم العوز اتصلت هاتفيا لتقسم أن سعيدًا شارك في جنازة ابنها أمير في قطاع غزة، قالت إنها رأته بين المشيعين صامتًا، يحمل ذلك الحزن الفلسطيني القديم، وكأنه جاء ليقول إن الحكاية لا تنتهي عند الفقد، بل تستمر في الذين يحملونها بعد الرحيل.
أما الدكتور مانويل فقد ارسل عبر الواتس اب رساله يقسم خلالها بالمسيح والعذراء أن سعيدًا لم يغادر رفح، وأنه يراه كل يوم يتنقل بين الأنقاض، يبحث عن ناجين، ويحاول أن يلتقط من بين الركام ما تبقى من الإنسان والحكاية، لم يكن يبحث عن أشخاص فقط، بل عن دليل جديد على أن الحياة قادرة على الظهور حتى من بين أكثر اللحظات قسوة.
اما سيبان الرمني فقد بعث برسالة صوتية يقسم من خلالها أن سعيدًا يتجول في حارات القدس،و يقول إنه يراه يسير ببطء بين الأزقة القديمة، يحدق في الجدران والأبواب والنوافذ، وكأنه يقرأ ما كتبته القرون على حجارة المدينة، لكنه لا يكلم أحدًا، لأن القدس أحيانًا أكبر من الكلام، ولأن بعض المدن لا تحتاج إلى من يشرحها، بل إلى من يصغي إليها.
أما حسني السامري فعبر الاذاعة اقسم بأغلظ الأيمان أن سعيدًا يتردد أسبوعيًا على المتحف السامري في جبل جرزيم، يقول إنه يراه يتأمل المخطوطات والآثار بصمت طويل، وكأنه يبحث بين طبقات التاريخ عن خيط يربط الماضي بالحاضر، وعن دليل على أن هذه الأرض لم تكن يومًا رواية واحدة، بل مساحة التقت فيها حضارات وذاكرات متعددة.
أما سهير تاوخو الشركسية، فتقول عبر لقاء تلفزيوني إن سعيدًا لا يبرح كفر كما والريحانية، تراه يتنقل بين طرقات القريتين، يصغي إلى الحكايات التي حملتها الأجيال، ويتأمل كيف استطاعت الأماكن الصغيرة أن تحفظ ما عجزت الخرائط عن حفظه. فهي تعرف أن فلسطين ليست فقط المدن الكبرى، بل أيضًا القرى التي بقيت أسماؤها تحمل جزءًا من الروح.
أما أريسا بابادوبولوس، ذات الأصول اليونانية، فتقسم اثناء قداس الاحد أن سعيدًا يصلي كل أحد في الكنيسة اليونانية في الناصرة، تراه يجلس بهدوء بين جدران المكان العتيق، لا يبحث عن طقس ديني فقط، بل عن المعنى الذي يجعل فلسطين كتابًا متعدد الصفحات واللغات والوجوه.
لقد كنا نبحث عن رجل، بينما كان علينا أن نبحث عن الفكرة، فسعيد لم يعد شخصية واحدة يمكن العثور عليها في مكان محدد، بل أصبح حضورًا فلسطينيًا منتشرًا في كل مكان بقيت فيه الذاكرة حية، هو في المخيم كما هو في المدينة، في الوطن كما هو في المنفى، في المسجد والكنيسة، في القرية والمتحف، في الحجارة القديمة وبين الأنقاض الجديدة.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية لاختراع إميل حبيبي. فالتشاؤل ليس وصفًا لشخصية روائية، بل اكتشاف لحالة فلسطينية عميقة، إنه الطريقة التي استطاع بها الفلسطيني أن يعيش داخل عالم مليء بالمفارقات: أن يفقد ولا ينسى، أن يتألم ولا يستسلم، أن يرى محاولات الإلغاء ولا يتخلى عن حقه في الوطن والحكاية.
لقد حاول الاحتلال ولا زال أن يجعل الفلسطيني غريبًا داخل حكايته، لكن التشاؤل كان الرد الإنساني والثقافي على ذلك، فالفلسطيني لم يواجه فقط معركة على الأرض، بل واجه أيضًا معركة على الذاكرة والاسم والرواية.
ربما لم نعثر على سعيد لأننا كنا نبحث عن شخص، لان سعيد كان الشعب، لم يختفِ سعيد، بل انتشر، خرج من صفحات الرواية وأصبح حاضرًا في كل إنسان يحمل ذاكرته، وفي كل مكان بقيت فيه فلسطين حية و ولهذا يمكن القول إن التشاؤل لم يكن مجرد اختراع أدبي، بل كان اختراعًا فلسطينيًا بامتياز؛ لغة ابتكرها شعب كامل ليقول إن الواقع مهما كان قاسيًا، لا يستطيع أن يلغي شعب يملك كل هذا التنوع والقدرة على رواية حكايته والتشبث بوطنه.

