لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى المُوَاطِنُ هُوَ الوَحِيدَ الَّذِي يَدْفَعُ فَاتُورَةَ الأَزَمَاتِ
الكاتب: د. محمد عودة
لم تعد قضية ارتفاع أسعار المحروقات مجرد خبر اقتصادي عابر يضاف إلى قائمة الأخبار اليومية، فالوقود ليس سلعة عادية يمكن فصلها عن حياة الناس، بل هو شريان أساسي للحركة الاقتصادية والاجتماعية. وعندما يرتفع سعر السولار أو البنزين، فإن تأثير ذلك لا يتوقف عند محطة الوقود، بل ينتقل مباشرة إلى أجور النقل، وتكاليف نقل البضائع، وأسعار السلع، وكلفة الإنتاج والخدمات. وفي النهاية يجد المواطن نفسه أمام واقع جديد من الأسعار، بينما يبقى السؤال الأساسي: من يتحمل عبء هذه الزيادة؟
وتزداد خطورة هذه الزيادات عندما تأتي في ظل واقع فلسطيني تحكمه ضغوط سياسية واقتصادية متراكمة،فالاحتلال لا يستخدم فقط أدواته العسكرية والسياسية، بل يوظف أيضًا أدوات الضغط الاقتصادي، من خلال التحكم بالموارد، واحتجاز أموال المقاصة، وفرض القيود التي تؤثر على قدرة المؤسسات الفلسطينية على القيام بواجباتها، وفي ظل هذه الظروف، تصبح الأزمات المعيشية أكثر من مجرد تحديات اقتصادية، لأنها تمس قدرة المجتمع على الصمود والحفاظ على تماسكه الداخلي.
إن إضعاف الوضع الاقتصادي للمواطن الفلسطيني، وتراكم الضغوط على حياته اليومية، قد يؤدي إلى حالة من الاحتقان وعدم الاستقرار، وهو ما يستدعي وعيًا سياسيًا واقتصاديًا عاليًا في إدارة هذه المرحلة، فالمطلوب ألا تتحول معاناة المواطن إلى مدخل تستفيد منه مشاريع تستهدف مستقبل الضفة الغربية، أو إلى ذريعة لتكريس سياسات تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.
إن استمرار الضغط الاقتصادي، وتراجع قدرة المواطن على تحمل الأعباء المتزايدة، قد يؤدي إلى اتساع دائرة الغضب والاحتقان الداخلي،والخطورة تكمن في أن أي حالة اضطراب أو فقدان للثقة يمكن أن تُستغل سياسيًا لتقديم ذرائع جديدة تبرر فرض سياسات أكثر خطورة تجاه الضفة الغربية، سواء من خلال مشاريع الضم أو خلق ظروف تمهد لاحقًا لسياسات تهدف إلى تهجير السكان، ولذلك فإن حماية المواطن من الانهيار الاقتصادي ليست مسؤولية معيشية فقط، بل هي جزء من حماية المجتمع الفلسطيني وقدرته على الصمود.
لذلك فإن النقاش حول ارتفاع أسعار المحروقات لا يجب أن يقتصر على قيمة الزيادة وأسبابها المباشرة، بل يجب أن يتناول السؤال الأوسع: كيف نحمي المواطن من أن يصبح الحلقة الأضعف في مواجهة أزمات متراكمة؟ وكيف نوزع أعباء المرحلة بعدالة، بحيث لا يتحمل المواطن وحده تكلفة ظروف لم يكن هو من صنعها؟
نحن لا نتحدث عن قطاع محدود التأثير، فالضفة الغربية تستهلك ما يقارب 2.5 إلى 3 ملايين لتر من المحروقات يوميًا، ما يعني أن أي زيادة في سعر اللتر تتحول إلى تأثير واسع على الاقتصاد والمجتمع. وعندما يرتفع سعر السولار بنحو 1.37 شيكل للتر، والبنزين بنحو 0.61 شيكل للتر، فإن الأمر لا يتعلق فقط بما يدفعه المواطن عند تعبئة مركبته، بل بما سيدفعه لاحقًا في المواصلات، وفي أسعار السلع، وفي تكلفة كل خدمة تعتمد على النقل والطاقة.
ومن الطبيعي أن تتأثر أسعار المحروقات بعوامل خارجية، مثل أسعار النفط العالمية، وتكاليف الاستيراد، وتقلبات الأسواق، والظروف السياسية والاقتصادية المحيطة. وهذه عوامل لا يمكن تجاهلها، لكن الاعتراف بها لا يعني أن يصبح المواطن الحلقة الأضعف التي تتحمل وحدها نتائج كل أزمة. فالإدارة الاقتصادية الناجحة لا تقتصر على تفسير أسباب ارتفاع الأسعار، بل تتمثل أيضًا في حماية المجتمع من آثارها عندما تتجاوز قدرة الناس على التحمل.
وتزداد حساسية هذه الزيادات عندما نضعها في سياق الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية، فنحن أمام مجتمع تعرض خلال الفترة الماضية لضغوط متراكمة؛ فموظفو القطاع العام واجهوا أزمة مالية طويلة أثرت على انتظام وقيمة رواتبهم، في وقت لم تعد فيه الدخول تواكب الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.
ولا يمكن تجاهل أن ثبات الرواتب خلال هذه المرحلة يرتبط بالأزمة المالية الخانقة التي تمر بها السلطة الفلسطينية، وفي مقدمة أسبابها احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة، وهي الأموال التي تمثل موردًا أساسيًا للخزينة الفلسطينية، مع استمرار الاقتطاعات التي تفرضها إسرائيل من هذه الأموال تحت مبررات مختلفة، وقد أدى ذلك إلى تضييق هامش الحركة المالية، وزيادة صعوبة انتظام الرواتب وتلبية الالتزامات العامة.
لكن صعوبة الظروف المالية لا تعني غياب الحلول، ولا تعني أن المواطن يجب أن يتحمل وحده نتائج الأزمة، فالإدارة الرشيدة تظهر تحديدًا في الأوقات الصعبة، عندما تبحث عن حلول خلاقة توازن بين الإمكانيات المتاحة وضرورة حماية الفئات الأكثر تضررًا، فقد لا تكون زيادة الرواتب الشاملة ممكنة في كل الظروف، لكن يمكن التفكير في بدائل مثل دعم الفئات الأكثر حاجة، أو مراجعة بعض الأعباء المفروضة على المواطنين، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، أو إيجاد آليات تخفف أثر ارتفاع الأسعار على أصحاب الدخل المحدود.
وفي المقابل، فقد عشرات آلاف العمال مصدر دخلهم بعد توقف العمل في الداخل، فقبل السابع من أكتوبر كان عدد العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية الذين يعملون في إسرائيل والمستوطنات يقترب من 170 ألف عامل، وقد حُرم عدد كبير منهم من الوصول إلى أماكن عملهم بعد الحرب، ما أدى إلى فقدان دخل أساسي كان يعيل آلاف الأسر ويحرك قطاعات واسعة من الاقتصاد المحلي.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: المواطن لا يواجه زيادة واحدة، بل يواجه تراكمًا من الضغوط، فالعامل الذي فقد مصدر رزقه، والموظف الذي تراجعت قدرته الشرائية، والمتقاعد الذي يعتمد على دخل ثابت، لا يملكون الأدوات نفسها التي يملكها صاحب الخدمة أو النشاط الاقتصادي لتعويض ارتفاع التكاليف.
فصاحب المركبة العمومية يستطيع المطالبة بتعديل الأجرة، وصاحب الشاحنة يستطيع إعادة حساب تكلفة النقل، والتاجر يستطيع في كثير من الأحيان تعديل أسعار السلع لتعويض جزء من ارتفاع التكاليف، أما المواطن الذي يعتمد على راتب ثابت أو دخل محدود فلا يستطيع أن يرفع دخله بقرار منه، ولا أن ينقل العبء إلى طرف آخر، ولذلك يصبح هو من يدفع الثمن النهائي لكل زيادة.
ولا يمكن عند الحديث عن ارتفاع الأسعار تجاهل أزمة نقص المحروقات التي شهدتها الضفة خلال الأيام الماضية، حيث اصطفت أعداد كبيرة من المركبات أمام المحطات لساعات طويلة للحصول على الوقود، ومهما كانت أسباب هذا النقص، فإن طريقة إدارة الأزمة تحتاج إلى مراجعة، لأن المواطن لا يجب أن يجد نفسه أمام خيارين صعبين: إما الانتظار الطويل للحصول على الوقود، أو القبول بزيادة الأسعار خوفًا من تكرار مشهد الطوابير.
إن الثقة بين المواطن وصاحب القرار لا تُبنى فقط في الظروف الطبيعية، بل تُختبر في أوقات الأزمات،ولذلك فإن الشفافية في شرح أسباب النقص، ومكونات التسعير، والعوامل التي أدت إلى الزيادة، ليست مطلبًا ثانويًا، بل هي حق للمواطن، فكلما كانت المعلومات واضحة، زادت قدرة المجتمع على فهم القرارات الاقتصادية، وكلما غابت الشفافية، زادت المخاوف من أن تتحول الأزمات المؤقتة إلى مبررات دائمة لتحميل المواطن أعباء جديدة.
إن المسؤولية اليوم لا تقع على طرف واحد، لكنها تبدأ من أصحاب القرار، فالمواطن لا يطالب بإلغاء الواقع الاقتصادي، ولا يطلب تجاهل الظروف الصعبة، لكنه يطالب بأن تكون هناك عدالة في توزيع الأعباء، فإذا كان من الضروري تعديل أسعار المحروقات بسبب ارتفاع التكاليف، فمن الضروري أيضًا التفكير في كيفية حماية أصحاب الدخل المحدود من آثار هذه الزيادة.
وهنا لا بد من الانتقال من سياسة التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى بناء حلول أكثر استدامة، ومن بين هذه الحلول وضع آلية لمراجعة الرواتب والأجور بما يتناسب مع تغيرات غلاء المعيشة، أو اعتماد برامج دعم موجهة للفئات الأكثر تضررًا، أو تخفيف بعض الأعباء عن السلع والخدمات الأساسية في فترات الارتفاعات الحادة، إضافة إلى مراجعة كفاءة الإنفاق العام وتعزيز الرقابة على الأسواق لمنع استغلال الأزمات لرفع الأسعار بصورة غير مبررة.
كما أن ملف المحروقات يحتاج إلى رؤية شاملة تتجاوز إعلان السعر الشهري، لتشمل كل مراحل المنظومة: من الاستيراد والتخزين والتوزيع إلى التسعير والرقابة،فالمواطن من حقه أن يعرف كيف تُبنى الأسعار، وما حجم تأثير كل عامل فيها، وهل يتحمل الجميع جزءًا من المسؤولية أم أن العبء ينتقل في النهاية إلى المستهلك فقط.
إن الاقتصاد ليس أرقامًا مجردة، بل هو حياة الناس اليومية، والقرار الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس فقط بحجم الإيرادات التي تتحقق، بل بقدرته على حماية المجتمع والحفاظ على تماسكه، فالمواطن هو أساس الاقتصاد وليس الطرف الذي يُطلب منه دائمًا دفع فاتورة الأزمات.
وعندما ترتفع الأسعار، يجب أن ترتفع معها المسؤولية، وأن تبحث المؤسسات عن حلول تحفظ كرامة المواطن وقدرته على الاستمرار، أما أن تبقى الدخول ثابتة والأسعار في تصاعد، فهذا يعني ببساطة أن المواطن يصبح المتغير الوحيد في معادلة لا يملك أدوات التحكم بها.

