الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:25 AM
الظهر 12:45 PM
العصر 4:26 PM
المغرب 7:39 PM
العشاء 9:04 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الحرب على الأونروا تشكل مدخلا إِلى نظام عالمي جديد تحكمه القوة

الكاتب: د. محمد عودة

كاتس يُقيل آفي بلوط قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، في خضم التحضير لتعميم تجربة تفريغ وتدمير مخيمات الشمال على مخيمات الوسط والجنوب، وقد يبدو هذا القرار في ظاهره شأنًا عسكريًا أو إداريًا داخليًا، لكنه يعكس صراعًا أوسع يتجاوز الأشخاص والقرارات، ليمتد إلى مستقبل قضية اللاجئين، ودور المؤسسات الدولية، وطبيعة النظام العالمي الذي يتشكل اليوم.

لم تعد المعركة حول وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) مجرد خلاف يتعلق بمؤسسة تقدم خدمات إنسانية للاجئين الفلسطينيين، ولم يعد الأمر محصورًا في قضايا التمويل أو طبيعة عملها، بل أصبح جزءًا من سؤال أوسع يتعلق بمستقبل المؤسسات الدولية نفسها، وبقدرة النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية على حماية القواعد التي أراد لها العالم أن تكون أساسًا لمنع عودة العلاقات الدولية إلى منطق القوة وحدها.

فالأونروا، منذ تأسيسها عام 1949، لم تكن مجرد وكالة تقدم التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية، بل أصبحت عنوانًا دوليًا مرتبطًا بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وتجسيدًا لمسؤولية المجتمع الدولي تجاه قضية نشأت نتيجة حرب وتهجير وبقيت دون حل سياسي عادل. ولهذا فإن التعامل معها لا يمكن اختزاله في الحديث عن ميزانية أو موظفين أو منشآت، لأن وجودها أصبح جزءًا من المشهد السياسي والقانوني المرتبط بقضية اللاجئين، وعندما تتعرض مؤسسة أممية للمنع أو الإغلاق أو فقدان القدرة على ممارسة دورها، فإن السؤال لا يعود فقط حول الخدمات التي تقدمها، بل حول مكانة المؤسسات الدولية نفسها، وقدرة المجتمع الدولي على حماية أدواته الإنسانية في مناطق الصراع.

لقد شهدت مدينة القدس إجراءات حكومية إسرائيلية استهدفت وجود الأونروا ومؤسساتها، ولم يتوقف الأمر عند حدود المدينة، بل امتد إلى منشآت أخرى تابعة للوكالة خارج الجدار، ومنها معهد التدريب المهني التابع للأونروا في قلنديا. وهذا المعهد يمثل نموذجًا مهمًا لفهم طبيعة الدور الذي تؤديه الأونروا، فهو لم يكن مجرد مبنى تعليمي أو مركز تدريب، بل مؤسسة هدفت إلى تمكين أبناء اللاجئين الفلسطينيين وتزويدهم بالمهارات التي تساعدهم على بناء مستقبلهم. ولذلك فإن المسألة لا تتعلق فقط بفقدان منشأة، بل بتعطيل وظيفة اجتماعية وتنموية ارتبطت بالأونروا لعقود طويلة.

فالمؤسسات الدولية لا تُقاس فقط بحجم مبانيها، بل بالدور الذي تؤديه والمعنى الذي تحمله. وعندما تصبح مدرسة أو مركز تدريب أو مؤسسة صحية تابعة للأمم المتحدة عرضة للمنع أو فقدان القدرة على العمل، فإن السؤال يصبح أعمق: هل نحن أمام خلاف حول مؤسسة، أم أمام اختبار لقدرة المؤسسات الدولية على أداء دورها عندما تصطدم بإرادة سياسية على الأرض؟

وفي موازاة ذلك، تأتي التطورات التي شهدتها المخيمات الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية لتضيف بعدًا آخر إلى المشهد، فالمخيم الفلسطيني ليس مجرد مكان للسكن، بل هو مجتمع تشكل عبر عقود حول تجربة اللجوء والتهجير والانتظار، وأصبح جزءًا من الذاكرة الفلسطينية الجماعية. ولهذا فإن الدمار الذي طال مخيمات في غزة، وما شهدته مخيمات الضفة الغربية، مثل جنين وطولكرم ونور شمس وقلنديا، من عمليات عسكرية وأضرار واسعة، لا يمكن قراءته فقط باعتباره أحداثًا ميدانية منفصلة، بل باعتباره واقعًا يمس تجمعات تحمل رمزية خاصة في قضية اللاجئين الفلسطينيين.

فالمخيم هو نتيجة مباشرة لقضية اللجوء، بينما تمثل الأونروا الإطار المؤسسي الدولي لهذه القضية، وعندما يتعرض الطرفان معًا لضغوط وتغييرات جوهرية، فإن السؤال يصبح أكبر من مؤسسة أو مكان: هل نحن أمام أحداث منفصلة، أم أمام مسار يعيد تشكيل طريقة التعامل مع قضية اللاجئين ومستقبلها، ويعيد فتح النقاش حول مدى استمرار الحماية الدولية التي أحاطت بها منذ نشأتها؟

ومن هنا لا يمكن فصل هذه التطورات عن النقاش الأوسع حول دور الأمم المتحدة. فميثاق الأمم المتحدة منح المنظمة الدولية، ولا سيما مجلس الأمن، المسؤولية الأساسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، بينما تمثل الولايات المتحدة القوة الأكثر تأثيرًا داخل هذا النظام بحكم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن ونفوذها السياسي والعسكري.

لكن هناك فرقًا جوهريًا بين الشرعية التي تمنحها المؤسسات الدولية، وبين النفوذ الذي تفرضه موازين القوة. وعندما تبدأ إدارة ملفات كبرى مرتبطة بالحروب والسلام خارج الإطار التقليدي للأمم المتحدة، يصبح من المشروع التساؤل: هل يشهد العالم انتقالًا من نظام يستند إلى المؤسسات والقواعد القانونية إلى نظام تُدار فيه الأزمات وفق موازين القوة والتحالفات السياسية؟

وفي هذا السياق يأتي الحديث عن مجلس السلام الذي طُرح لإدارة ملفات مرحلة ما بعد الحرب في غزة. وبصرف النظر عن تقييم أهدافه أو مواقف المؤيدين والمعارضين له، فإن مجرد طرح إطار سياسي خارج المنظومة التقليدية للأمم المتحدة لإدارة ملف بهذه الحساسية يثير تساؤلات حول المرجعية التي ستحدد مستقبل غزة، ومن يملك حق رسم ملامح المرحلة المقبلة. فالقضية لا تتعلق بوجود مجلس من عدمه، وإنما بمن يمتلك شرعية إدارة الملفات المرتبطة بالسلم والأمن الدوليين: هل هي المؤسسات التي أُنشئت لهذا الغرض، أم ترتيبات سياسية تقودها دول وشخصيات تمتلك نفوذًا مباشرًا في المشهد؟

ومن هنا فإن تقييم أي مبادرة لا يرتبط فقط بأهدافها المعلنة، بل أيضًا بالأشخاص الذين يحملون مسؤولية تنفيذها والخلفيات السياسية التي يحملونها.

ويزداد هذا السؤال حساسية عندما ننظر إلى طبيعة الشخصيات المشاركة في مثل هذه الترتيبات، فالأشخاص لا يدخلون أي عملية سياسية من فراغ، بل يحملون معهم تاريخًا ومواقف سابقة تؤثر في نظرة الشعوب والأطراف المختلفة إلى مدى استقلالية أي مبادرة.

ويبرز هنا اسم توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، بسبب دوره في قرار مشاركة بريطانيا في حرب العراق عام 2003، وهي الحرب التي خلفت خسائر بشرية ودمارًا واسعًا، وما زالت موضع نقاش عالمي حول مسؤولية القادة السياسيين عن القرارات الكبرى التي يتخذونها. واستحضار هذه الخلفية لا يهدف إلى تحويل المقال إلى محكمة سياسية، بل إلى طرح سؤال يتعلق بالثقة والشرعية: كيف يمكن لشعوب خرجت من حرب مدمرة أن تنظر إلى ترتيبات سلام تشارك فيها شخصيات تحمل إرثًا سياسيًا مثيرًا للجدل؟

ويزداد هذا السؤال تعقيدًا عندما ينتقل النقاش إلى الجانب المالي. فالحديث عن استخدام جزء من الأموال الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل ضمن ترتيبات مرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول السيادة المالية والقرار السياسي. فالمال الفلسطيني ليس مجرد أرقام في الموازنات، بل هو جزء من قدرة المجتمع الفلسطيني على إدارة حياته اليومية، ودفع التزاماته، وإعادة بناء ما دمرته الحرب.

وهنا يظهر السؤال الأخلاقي والسياسي: كيف يمكن لشعب يتعرض للقتل والدمار أن يُطلب منه، في الوقت نفسه، أن يساهم في تمويل ترتيبات لا يملك قرارها، أو أن يتحمل أعباء مرحلة سياسية لم يكن شريكًا في صياغتها، وربما لم تأخذ في الاعتبار حتى تطلعاته المشروعة؟

ويصبح هذا السؤال أكثر حساسية عندما ينظر الفلسطينيون إلى الدور الأمريكي في الحرب، باعتبار الولايات المتحدة الداعم السياسي والعسكري الرئيسي لإسرائيل، بما في ذلك المساعدات العسكرية التي قدمت خلال العمليات العسكرية في غزة. والقضية هنا ليست دعوة إلى إقصاء طرف أو منع طرف من المشاركة، بل هي سؤال حول العدالة في صناعة السلام: هل يمكن بناء سلام مستدام إذا شعر الطرف الذي دفع الثمن الأكبر للحرب أن مستقبله يُرسم بعيدًا عنه؟

إن شعبًا تعرّض للدمار لا يمكن أن يشعر بأن السلام يُبنى من أجله إذا لم يكن شريكًا في صياغة قواعده، وإذا تحولت إعادة الإعمار أو إدارة المرحلة التالية إلى ترتيبات تُفرض عليه بدلًا من أن يشارك في تحديدها.

لقد كان مشهد تمزيق ممثل إسرائيل لدى الأمم المتحدة نسخةً من ميثاق المنظمة الدولية مشهدًا رمزيًا حمل دلالات سياسية عميقة حول العلاقة بين بعض الدول والمؤسسات الدولية. فالقضية ليست في الورقة التي جرى تمزيقها، بل في الرسالة التي يحملها المشهد حول احترام المنظمة التي يفترض أن تكون الإطار الجامع لإدارة الخلافات الدولية.

إن الدفاع عن الأمم المتحدة لا يعني أنها مؤسسة فوق النقد، كما أن الدفاع عن الأونروا لا يعني تجاهل أي نقاش يتعلق بأدائها، لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن يصبح تجاوز المؤسسات الدولية أمرًا طبيعيًا، وأن تتحول القواعد التي يفترض أن تحكم العلاقات الدولية إلى خيارات يمكن تجاوزها عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى. فالقضية في النهاية ليست قضية وكالة أممية أو لاجئين فلسطينيين فحسب، بل اختبار لمستقبل النظام الدولي نفسه.

فإذا أصبح من الممكن إضعاف مؤسسة أممية ارتبطت بقضية إنسانية عمرها عقود، أو استبدال المرجعيات الدولية بترتيبات سياسية تصنعها موازين القوة، فإن السؤال الذي يواجه العالم كله هو: من سيحمي الإنسان عندما تصبح المؤسسات التي أُنشئت لحمايته عاجزة عن أداء دورها؟

إن ما يحدث اليوم في قضية الأونروا واللاجئين الفلسطينيين قد لا يبقى محصورًا في هذه الجغرافيا، لأن سابقة إضعاف المؤسسات الدولية قد تمتد إلى أزمات أخرى حول العالم. ولهذا فإن حماية المؤسسات الدولية ليست دفاعًا عن الفلسطينيين وحدهم، بل دفاعًا عن فكرة النظام العالمي نفسه؛ عالم تكون فيه القواعد أقوى من القوة، ويكون فيه السلام ثمرة مشاركة الشعوب، لا مجرد ترتيبات تُفرض عليها.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...