إِبادة سبعة شعوب من أَجل اختراع شعب لم يكن يوما
الكاتب: د. محمد عودة
كان من الضروري اختراع الشعب اليهودي لتجسيد الخرافة؛ حيث يرى شلومو ساند أن "الشعب اليهودي" ككيان قومي موحّد ومستمر منذ العصور القديمة ليس حقيقة تاريخية ، ويستند في ذلك إلى غياب دليل على حدوث نفي جماعي لليهود من فلسطين، وإلى أن اليهودية التاريخية كانت جماعات دينية وثقافية متعددة لا أمة قومية واحدة، وإلى دور التحولات الدينية واعتناق شعوب مختلفة لليهودية، مثل الخزر وفق بعض الطروحات، في تشكيل جماعات يهودية لاحقة، كما يرى أن القومية اليهودية في القرن التاسع عشر أعادت صياغة مفاهيم المنفى والعودة والأرض، وحوّلت الذاكرة الدينية إلى سردية قومية حديثة تخدم مشروعًا سياسيًا؛ ومن هنا جاء وصفه للعملية بأنها "اختراع الشعب اليهودي.
في هذه الحالة لا يبقى السؤال مجرد سؤال تاريخي حول نشأة جماعة أو تطور هوية، بل يتحول إلى سؤال أوسع يتعلق بالطريقة التي تُصنع بها الشعوب، فالشعب ليس فقط مجموعة من البشر تجمعهم اللغة أو الجغرافيا أو المصالح المشتركة، وإنما هو أيضًا قصة مشتركة، وذاكرة جماعية، ورواية عن الماضي تمنح الحاضر معنى، وتجعل المستقبل يبدو امتدادًا لمسار بدأ قبل زمن طويل.
ووفق رؤية ساند، فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط باليهود وتاريخهم، وإنما بكيفية انتقال جماعات دينية وثقافية متفرقة إلى مفهوم الشعب القومي الحديث؛ فهل الشعب هو استمرار طبيعي لجماعات قديمة عبر الزمن، أم أنه في بعض الحالات يصبح بناءً تاريخيًا حديثًا يعيد ترتيب عناصر الماضي ليصنع هوية قادرة على العمل في الحاضر؟.
هنا تبدأ أهمية المقاربة مع سفر التثنية؛ ليس لأننا نضع كتابًا تاريخيًا بجوار نص ديني مشكوك في أصوله لنحاكم أحدهما بالآخر، وإنما لأننا نبحث في الأسئلة المتعلقة بالجماعة والأرض والهوية. فسفر التثنية يقوم بدرجة كبيرة على فكرة الجماعة التي تحمل قصة خاصة عن نفسها، وعلى علاقة هذه الجماعة بأرض ترتبط بهذه القصة؛ فالأرض في النص ليست مجرد مكان للعيش، وإنما تدخل في تكوين الهوية نفسها، والوعد يتحول إلى عنصر يربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
وتأتي أهمية مفهوم التذكّر الذي يحتل مكانة بارزة في التثنية؛ فالجماعة لا يُطلب منها فقط أن تعرف تاريخها، وإنما أن تحفظه وتبقيه حاضرًا في وعيها، لأن فقدان الذاكرة يعني فقدان جزء من الهوية، ولذلك يصبح التذكّر فعلًا يتجاوز الجانب الروحي ليصبح جزءًا من استمرار الجماعة نفسها، لكن العلاقة بين الجماعة والأرض في النص لا تتوقف عند تعريف الجماعة لنفسها، وإنما تمتد إلى تعريف الآخر. وهنا تظهر نصوص الحرب في سفر التثنية باعتبارها جزءًا من منظومة تحدد علاقة الجماعة بمن يقع خارج حدودها.
ففي الإصحاح العشرين من سفر التثنية ترد وصايا تتعلق بالحرب، حيث يقول النص عن المدن البعيدة: «حين تقرب من مدينة لكي تحاربها، نادها بالصلح. فإن أجابتك بالصلح وفتحت لك، يكون كل الشعب الموجود فيها تحت الجزية ويخدمك، وإن لم تسالمك بل حاربتك، فحينئذ تحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك تضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة فتغتنمه لنفسك».
فالنص لا يتحدث فقط عن الحرب، بل يكشف أيضًا عن طريقة تصنيف العالم إلى جماعة تنتمي إلى الوعد، وشعوب تقع خارج هذا الوعد. ومن هنا يصبح مفهوم الآخر جزءًا من عملية بناء الهوية؛ فالجماعة لا تعرف نفسها فقط من خلال من ينتمي إليها، وإنما أيضًا من خلال من يقع خارج حدودها.
وفي الإصحاح السابع من سفر التثنية تظهر قائمة الشعوب المرتبطة بالأرض، حيث يرد ذكر الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، ويقول النص: «متى أدخلك الرب إلهك الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها، وطرد شعوبًا كثيرة من أمامك... ودفعهم الرب إلهك أمامك وضربتهم، فإنك تحرمهم، لا تقطع لهم عهدًا ولا تشفق عليهم، وهنا تظهر مسألة أكثر عمقًا من مجرد نص عن الحرب؛ إنها مسألة العلاقة بين الأرض والهوية، فالأرض في هذه النصوص ليست فراغًا جغرافيًا، بل ركن أساسي في اكتمال بنية الشعب المخترع.
وعندما ننتقل من النص القديم إلى العصر الحديث، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف تنتقل الأفكار المتعلقة بالجماعة والأرض والذاكرة من مجال النصوص الدينية والتصورات التاريخية إلى مجال الدولة والقانون والسياسة؟ وكيف تتحول علاقة رمزية بين جماعة ومكان إلى تعريف قانوني لطبيعة الدولة نفسها؟
وهنا تظهر أهمية العودة إلى رؤية شلومو ساند؛ فإذا كان مفهوم الشعب اليهودي، وفق هذه الرؤية، قد تشكل عبر عملية تاريخية حديثة أعادت صياغة جماعات متعددة ضمن هوية قومية واحدة، فإن السؤال لا يعود فقط حول نشأة هذه الهوية، وإنما حول الطريقة التي أصبحت بها هذه الهوية أساسًا لتعريف الدولة الحديثة.
ولعل قانون القومية الإسرائيلي الذي أُقر عام 2018 يمثل، في هذا السياق، لحظة تستحق التوقف؛ فهذا القانون لم يأتِ ليكون مجرد تشريع عادي يتعلق بإدارة الدولة، وإنما وضع تعريفًا دستوريًا لطبيعة الدولة باعتبارها الدولة القومية للشعب اليهودي، ونص على أن ممارسة حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل تخص الشعب اليهودي وحده. فلو كان القائمون على الكيان مقتنعين بوجود الشعب الذي وصفه ساند بالمخترع، لما كانوا بحاجة إلى سنّ هكذا قانون؛ فما الحاجة إلى قانون يثبت ما يُفترض أنه من ثوابتهم؟
الدولة الحديثة التي تحتاج إلى تعريف هويتها تحتاج إلى رواية عن أصل هذه الهوية، وكلما أصبحت الرواية التاريخية جزءًا من تعريف الدولة، أصبح الخلاف حول التاريخ أكثر من خلاف أكاديمي؛ أصبح خلافًا حول الحاضر ومستقبل العلاقة بين الدولة ومواطنيها، فالهوية السياسية لا تُبنى فقط على المؤسسات والقوانين، وإنما تحتاج أيضًا إلى قصة تمنحها المعنى. والدولة التي تعرف نفسها من خلال تاريخ معين تحتاج إلى الحفاظ على هذا التاريخ بوصفه جزءًا من شرعيتها، وهنا تلتقي السياسة بالذاكرة، ويلتقي القانون بالرواية التاريخية.
وإذا كانت الشعوب لا تقوم فقط على الوجود التاريخي، وإنما أيضًا على القصة التي ترويها عن نفسها، فإن الصراع حول التاريخ يصبح صراعًا حول القدرة على تعريف الذات وتعريف الآخر؛ فكل جماعة لا تكتفي بأن تقول: نحن موجودون، بل تبحث عن إجابة لسؤال آخر: لماذا نحن هنا؟ وما الذي يمنح وجودنا معنى؟.
وهذا السؤال يرافق كل التجارب القومية في العالم؛ فالأمم لا تعيش بالحاضر وحده، وإنما تبني جزءًا من صورتها على الطريقة التي تتذكر بها ماضيها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول رواية الماضي من ذاكرة جماعية إلى أساس حصري لتحديد الحقوق، وعندما يصبح تفسير واحد للتاريخ هو التفسير الوحيد المقبول سياسيًا وقانونيًا.
وفي هذه النقطة تحديدًا تبرز أهمية المقاربة بين ساند والتثنية وقانون القومية؛ فالمسألة ليست فقط في كيفية نشوء فكرة الشعب، وإنما في كيفية انتقال هذه الفكرة عبر مراحل مختلفة: من رواية دينية عن الجماعة والأرض، إلى ذاكرة تاريخية، إلى هوية قومية، ثم إلى تعريف قانوني للدولة.
هذا الانتقال يجعل دراسة التاريخ أكثر تعقيدًا؛ فالأفكار لا تبقى في الكتب، وإنما تتحرك بين الأجيال والمؤسسات والقوانين، وقد تبدأ فكرة في نص ديني، ثم تتحول إلى ذاكرة جماعية، ثم تصبح جزءًا من مشروع قومي، ثم تجد طريقها إلى التشريع السياسي، على أنقاض سبعة شعوب.
وفي النهاية، فإن قراءة «اختراع الشعب اليهودي» لا تقودنا إلى سؤال بسيط حول وجود شعب أو عدم وجوده، بل إلى سؤال أوسع حول كيفية صناعة الهويات، وكيف تتحول القصص التي ترويها الجماعات عن نفسها إلى قوى فاعلة في التاريخ. فالتاريخ ليس فقط ما حدث في الماضي، وإنما أيضًا الطريقة التي يُعاد بها ترتيب هذا الماضي في الحاضر، والذاكرة ليست فقط ما نحتفظ به من أحداث، وإنما الطريقة التي نستخدم بها هذه الأحداث لتعريف أنفسنا ومكاننا في العالم.
ولهذا فإن السؤال الأعمق الذي يبقى مفتوحًا ليس فقط: كيف نشأت فكرة الشعب اليهودي؟ بل كيف تتحول فكرة الشعب، أي شعب، إلى رواية تمنح الأرض معناها، وتمنح السياسة مشروعيتها، وتمنح المستقبل اتجاهه؟ كل المؤشرات من داخل الكيان تفيد بان الكيان الى زوال وفكرة الشعب اليهودي ايضا.

