الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:32 AM
الظهر 12:44 PM
العصر 4:24 PM
المغرب 7:33 PM
العشاء 8:55 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

أَمْرِيكَا وَهَمُ القُوَّةِ الَّتِي لَا تُهْزَمُ: مِنَ الجَزْيَةِ إِلَى سُقُوطِ كَابُل

الكاتب: د. محمد عودة

ثمة صورة رسخت في الوعي العالمي حتى كادت تتحول إلى مسلَّمة، الولايات المتحدة الأمريكية قوة لا تُهزم، وجيشها الذي يمتلك من أدوات الحرب ما لا يمتلكه غيره قادر، متى دخل حربًا، على أن يفرض في نهايتها إرادته، غير أن التاريخ لا يكتب هيبة الدول من خلال حجم ترساناتها، وإنما من خلال سؤال أبسط وأقسى: ماذا أرادت الدولة عندما دخلت الحرب، وعلى ماذا حصلت عندما انتهت الحرب؟

وإذا أخذنا هذا المعيار، فإن قصة القوة الأمريكية تبدو أكثر تعقيدًا، فالدولة التي ستصبح بعد قرنين انشائها القوة العسكرية الأعظم في العالم بدأت تاريخها الخارجي وهي تتفاوض على حماية سفنها، وتدفع االجزية مقابل أمن تجارتها، وتتفاعل مع دول شمال أفريقيا التي كانت القوى الأوروبية تسميها دول الساحل البربري.

كان المغرب من أوائل الدول التي اعترفت بالولايات المتحدة، ووقعت معها معاهدة صداقة سنة 1786، اما الجزائر، فقدانتهت المفاوضات إلى معاهدة سنة 1795 تضمنت إطلاق الأسرى وتسويات مالية(جزية) تُدفع للجزائر  لحماية الملاحة الأمريكية، أما طرابلس، فكانت جزءًا من النظام نفسه؛ إذ قامت العلاقات مع دول شمال أفريقيا، في جانب منها، على دفع الجزية مقابل تأمين السفن والتجارة، كانت الجمهورية الأمريكية الفتية إذن تتعامل مع عالم لم تكن فيه قادرة بعد على فرض شروطها بالقوة.

لكن الولايات المتحدة لم ترد أن يبقى هذا موقعها. بدأت ببناء قوتها البحرية، وعندما اندلعت حرب طرابلس بين 1801 و1805، حاولت واشنطن التخلي عن دفع الجزية التي تجنبها الصدام ودخلت في الصدام، وهنا تدخل درنة إلى التاريخ الأمريكي بوصفها واحدة من أشهر الصفحات التي تقدمها الذاكرة العسكرية الأمريكية باعتبارها انتصارًا، ففي أبريل 1805 استولت القوة التي قادها ويليام إيتون على المدينة، لكن السؤال الأهم: ماذا حدث بعد المعركة؟

جاءت معاهدة السلام الموقعة في يونيو 1805 والتي نصت على انسحاب القوات الأمريكية من درنة ومن الأراضي التابعة لطرابلس، وعلى عدم استمرار الولايات المتحدة في دعم حَمَت كَرَمَنلي. وأُطلقت الأسرى، ودُفعت مبلغ ستين ألف دولار ، لم تحتفظ الولايات المتحدة بدرنة، ولم تُسقط يوسف باشا، ولم تحول السيطرة المؤقتة على المدينة إلى مكسب إقليمي دائم،بمعنى ان ليس هناك انتصار امريكي.

وهنا تظهر أولى قواعد سجل الهزائم: قد تربح المعركة وتخسر الحرب، وقد تمتلك ورقة عسكرية قوية ثم تجبر على التخلي عنها على طاولة التفاوض، فإذا كان النصر هو القدرة على تحويل التفوق الميداني إلى نتيجة سياسية، فإن درنة تبدو مكسبًا ميدانيًا استُخدم كورقة للوصول إلى تسوية،لكن دون جدوى  .

ثم جاءت حرب 1812 مع بريطانيا، أرادت واشنطن تحقيق أهداف عدة، لكن الحرب لم تنته بانتصار أمريكي ؛ وصلت القوات البريطانية إلى واشنطن وأحرقت مباني حكومية، وانتهت معاهدة غنت بإعادة الحدود تقريبًا إلى ما كانت عليه، قد تكون الولايات المتحدة خرجت من الحرب دون استسلام، لكن ذلك شيء وتحقيق أهداف الحرب شيء آخر، وبمعيار النتيجة السياسية، تدخل حرب 1812 في سجل الإخفاقات،او الهزائم.

وبعد قرن تقريبًا تكررت المفارقة في نيكاراغوا، في عشرينيات القرن العشرين تدخلت الولايات المتحدة عسكريًا، وواجهت مقاومة مسلحة قادها أوغستو سيزار ساندينو، لم يمتلك ساندينو قوة تقارن بالجيش الأمريكي، لكنه امتلك القدرة على تحويل الأرض إلى مقاومة مستمرة، واستمرت المواجهة حتى انسحاب مشاة البحرية الأمريكية في يناير 1933. قد تختلف التفسيرات حول أسباب الانسحاب، لكن النتيجة بقيت واضحة: لم تستطع الولايات المتحدة إخضاع المقاومة وليس هذا فحسب بل هُزم الجيش الامريكي وانسحب، وأصبح ساندينو رمزًا للمقاومة.

ثم جاءت كوبا سنة 1961، ولا تحتاج إلى كثير من التأويل. في خليج الخنازير دعمت الولايات المتحدة قوة من المنفيين الكوبيين ودربتها وسلحتها بهدف إسقاط حكومة فيدل كاسترو، فشلت العملية وأُسر معظم المهاجمين، وبقي النظام في السلطة، بل خرج كاسترو من العملية أكثر قوة، كانت هزيمة عسكرية وسياسية  واضحة لامريكا وعملائها .

ثم جاءت فيتنام، وهي إحدى أوضح الهزائم الأمريكية. دخلت الولايات المتحدة الحرب بهدف احتواء الشيوعية وحماية جنوب فيتنام، وأرسلت مئات الآلاف من الجنود واستخدمت قوة عسكرية هائلة، ومع ذلك انتهت الحرب بانسحاب القوات الأمريكية ثم سقوط سايغون سنة 1975، قد تكون أمريكا قد ربحت معارك كثيرة، لكن النظام الذي دخلت الحرب لحمايته انهار. وهنا يظهر الفرق بين الانتصار التكتيكي والهزيمة الاستراتيجية.

وفي عام 1980 أضافت إيران نوعًا آخر من الهزيمة: هزيمة العملية العسكرية نفسها، حاولت الولايات المتحدة تنفيذ عملية لإنقاذ الرهائن الأمريكيين في طهران، لكنها فشلت قبل الوصول إلى هدفها، لم تكن حربًا تقليدية، لكنها كانت فشلًا عسكريًا مباشرًا لعملية حملت هدفًا واضحًا ولم تحققه.

وفي لبنان، بين 1982 و1984، دخلت الولايات المتحدة ضمن القوة متعددة الجنسيات بهدف المساعدة في تثبيت لبنان ودعم ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، ثم جاء تفجير ثكنة المارينز في بيروت في أكتوبر 1983، فقُتل 241 عسكريًا أمريكيًا، وبعد أشهر انسحبت القوات الأمريكية. لم يكن الجيش الأمريكي عاجزًا عن القتال، لكن المشروع السياسي الذي جاءت القوات من أجله لم يتحقق، وانتهى الوجود العسكري بالانسحاب. وبمعيارنا، كانت تلك هزيمة.

وفي الثمانينيات عادت نيكاراغوا إلى الواجهة، ولكن في صورة حرب بالوكالة، دعمت الولايات المتحدة قوات الكونترا ضد حكومة الساندينيستا، وخاضت صراعًا سياسيًا وعسكريًا وقانونيًا طويلًا، ووصل الأمر إلى محكمة العدل الدولية التي حكمت ضد الولايات المتحدة في قضية تدخلها واستخدام القوة ضد نيكاراغوا، لم تستطع واشنطن إسقاط الحكومة بالقوة، وانتهى الصراع إلى مسار سياسي وانتخابات سنة 1990. وبالنظر إلى الهدف الأمريكي الأصلي، كانت التجربة إخفاقًا آخر.

ثم جاءت الصومال. في مقديشو سنة 1993 تحولت العملية العسكرية إلى مأزق، بعد معركة خلفت قتلى أمريكيين وأثارت صدمة واسعة في الرأي العام. وانتهت الولايات المتحدة إلى سحب قواتها، مرة أخرى، لم تكن المعركة وحدها هي التي حددت النتيجة؛ بل القرار السياسي الذي جاء بعدها.

ثم وصلنا إلى أفغانستان. في عام 2001 دخلت الولايات المتحدة أفغانستان، وأسقطت نظام طالبان وطاردت تنظيم القاعدة، ثم تحولت المهمة إلى حرب طويلة لبناء دولة وجيش ونظام سياسي قادر على البقاء، وبعد عشرين عامًا انسحبت القوات الأمريكية، انهارت الحكومة الأفغانية، وعادت طالبان إلى كابُل في أغسطس 2021، وهنا يصبح السؤال قاسيًا: إذا دخلت دولة عظمى بلدًا لإسقاط سلطة، ثم خرجت منه بعد عشرين عامًا بينما تعود السلطة نفسها إلى العاصمة، فهل يمكن وصف النتيجة بأنها انتصار؟.

من المغرب والجزائر وطرابلس، حيث كانت الجمهورية الأمريكية الفتية تدفع الجزية لتأمين تجارتها، إلى أفغانستان حيث كانت القوة الأعظم في العالم تسحب قواتها من كابُل، يمتد خيط تاريخي طويل لا يقول إن أمريكا ضعيفة، ولا إنها خسرت كل حروبها، بل يقول شيئًا أكثر تعقيدًا: القوة العسكرية لا تضمن النصر السياسي، والتفوق في المعركة لا يعني بالضرورة الانتصار في الحرب، والقدرة على الدخول في الحرب لا تعني القدرة على تحديد نهايتها.

الهزيمة ليست دائمًا أن يصل جيش العدو إلى عاصمتك، قد تكون أن تدفع المال كي لا تُقاتل، أو أن تستولي على مدينة ثم تتخلى عنها، أو أن تنسحب من بلد بعد سنوات من القتال، أو أن تفشل عملية عسكرية في ساعات، أو أن تخرج من حرب طويلة دون تحقيق الهدف الذي برر الدخول فيها، لهذا فإن السؤال ليس: كم معركة خسرت أمريكا؟ بل: كم مرة دخلت الولايات المتحدة حربًا وهي تملك تفوقًا هائلًا، ثم خرجت منها دون أن تحصل على النتيجة التي دخلت من أجلها؟ لكن التاريخ، حين نعيد قراءة نتائجه قد نخلص الى نتائج مغايرة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...