نقطة ضوء.. إلى مركزية فتح: لا تستنهضوا الجماهير، استنهضوا فتح أولا !
الكاتب: د. عدنان ملحم
في لحظة فلسطينية لم يعد فيها الوطن يواجه خطرا عابرا ، بل معركة مفتوحة على الأرض والإنسان والهوية والمستقبل، وفي وقت تتسع فيه دائرة الخطر ، وتتراجع فيه قدرة الناس على الاحتمال ، وتصبح الحاجة إلى قيادة وطنية قادرة على الفعل أكثر من أي وقت مضى ، أصدرت اليوم اللجنة المركزية لحركة فتح بيانا تحدثت فيه عن الانتخابات ، ورفع الجاهزية ، واستنهاض الجماهير ، وتفعيل الأطر الحركية ، وتعزيز الصمود .
قرأنا البيان، ووجدنا فيه كثيرا من العبارات التي اعتدنا سماعها ، وقليلا من الإجابات التي ينبغي أن تعرضها قيادة حركة تقود شعبا عظيما ، يواجه خطر التهجير والطرد والتصفية .
سنقول لكم بوضوح ماذا تقول جماهير حركة فتح التي تطلبون منها اليوم أن تستنهض حالتها وتقف على قدميها وترفع صوتها. وسنقول كلاما صادقا مباشرا ، منطلقه الغيرة والحرص على حركة تتقاذف سفينتها الأمواج من كل صوب وحدب . وسنسجل لكم صرخات الفتحاويين المحترمين دون حذف أو تزوير أو نقصان .
تقول لكم جماهير حركة فتح : قبل أن تتحدثوا عن رفع الجاهزية وتفعيل الأطر، انظروا إلى حال فتح نفسها . الهياكل الفتحاوية مفككة، والجسم الحركي فقد تماسكه : اللجنة المركزية منقسمة على ذاتها ، والمجلس الثوري - الذي هندستم مكوناته - يبحث عن دوره ، والأقاليم التنظيمية في مختلف أنحاء المعمورة مشلولة ، والمجالس الحركية معطلة ، والكوادر والقيادات التي صنعت حضور الحركة في ساحات الأرض المحتلة مبعدة مهمشة .
في الوقت الذي تعيش فيه حركة فتح أزمات وجودية بالانتماء والخطاب والهوية ، وفي علاقتها بقواعدها ، وقدرتها على الفعل المنظم ، يتوجب الاعتراف صراحة: فتح الحركة مغيبة ، وفتح الحزب الحاكم مسيطرة وتقود المرحلة ، وتحولت من حركة تحرر وطني ذات امتداد جماهيري وتنظيمي إلى حركة ارتبط حضورها بصورة متزايدة بمؤسسات السلطة وموقعها داخل النظام السياسي . ولذلك، قبل أن تطلبوا من الفتحاوي أن يستنهض فتح، أجيبوا أولا : أي فتح تريدون استنهاضها؟ فتح الحركة أم فتح السلطة؟ .
تقول لكم جماهير فتح : لا تحدثونا عن التطورات الميدانية وكأننا نقرأها في تقرير . نحن نعيشها وندفع ثمنها . تعالوا إلى الأغوار والمخيمات والقرى والبلدات والمناطق المستهدفة ، وانظروا إلى الأرض التي تصادر ، والمزارعين والرعاة الذين يطردون ، والبيوت التي تهاجم، والأشجار التي تقتلع ، والآبار والممتلكات التي تستباح . المستوطنون لم يعودوا يهاجمون أطراف التجمعات الفلسطينية فقط ؛ إنهم يدخلون إلى البيوت وغرف النوم والمزارع والمركبات ، يعتدون ويطردون ويستولون على الممتلكات . وفي جميع تقسيمات أوسلو A وB وC، يفرض المحتل الاستيطاني الإحلالي العقائدي حضوره بالقوة والسلاح ، يقتحم ويصادر ويلاحق ويعتقل ، ويعيد تزوير الجغرافيا والتاريخ والواقع على الأرض . بينما يعاني الحضور الوطني والسياسي والمجتمعي الجماهيري السلمي غيابا تاما . لا نريد منكم أن تسموا ذلك “تصعيدا في إرهاب المستوطنين”، نحن نعرف اسمه ، ونعرف ضحاياه ، ونعرف حجم الخطر الذي يقترب من بيوتنا كل يوم . السؤال الذي نريد إجابة عنه: أين فتح، أم البدايات، حضن الناس، أمل الجماهير، من وجع شعبها ودمه ودموعه وجراحه؟ المواطن الفلسطيني يقول على الملأ: “أقف وحيدًا في مواجهة حروب الإبادة والطرد والتهجير والفقر والجوع والبطالة” .
وتقول لكم جماهير فتح عن غزة: لا تجعلوا غزة بندا في جدول أعمالكم ، فهي ليست “تطورًا ميدانيًا”، وليست “حالة إنسانية”. غزة شعب فلسطين الذي ما زال يقتل ويجوع ويشرد ، ويقف بين فكي الانتداب الدولي من جهة والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، ويعيش في الشوارع والخيام وبين الركام والخطوط الصفراء والحمراء ، ويفقد بيته وأهله ومصدر رزقه تحت حرب لا ترحم . لا يكفي أن تحيوا صمود أهل غزة في بيان، ولا أن تقولوا إنكم ناقشتم سبل تخفيف المعاناة . غزة تحتاج إلى موقف سياسي وطني وحدوي واضح ، وفعل فلسطيني يتناسب مع حجم الكارثة، ودورا من حركة فتحاوية قادت المشروع الوطني لعقود. لا تختصروا غزة في فقرة معتادة : “أنتم في قلب القضية الفلسطينية، وما يجري في القطاع امتحان حقيقي لفتح وللمشروع الوطني كله” فقط .
وتقول لكم جماهير فتح : تعالوا إلى حياة الناس قبل أن تطلبوا منها استنهاضها . تعالوا إلى المريض الذي ينتظر دواءه المفقود، وعمليته الجراحية الغائبة ، ومشفاه الفارغ والحزين، ووجعه الذي يعجز عن توفير احتياجاته. تعالوا إلى الموظف الذي تلاحقه الديون والسجون ، والعامل الذي فقد عمله في الداخل ، والشباب الذي لا يجد فرصة عمل، والأسرة التي تتسع حاجتها وفقرها يوما بعد يوم . تعالوا إلى طوابير المواطنين على المحروقات والغاز، وإلى أزمات الكهرباء والمياه والرواتب، وإلى الناس الذين أصبحت أبسط احتياجاتهم اليومية معارك حياة . تعالوا إلى الشهداء والجرحى والأسرى الذين خذلناهم وتخلينا عن تاريخهم .
هذه ليست ملفات خدماتية منفصلة عن السياسة والوطن؛ هذه هي حياة الشعب الذي تطلبون منه الصمود والانتخاب والاصطفاف. فلا تقولوا له “تعزيز صمود المواطنين”، وكأن الصمود كلمة تكتب في البيانات والخطابات فقط . يريد المواطن أن يرى مؤسساته وحركته إلى جانبه عندما تضيق عليه الحياة من كل جانب .
قتلتنا الحكومات العاجزة ، والوزارات التي لا تعرف لغتنا ، والقيادات المستوردة ، والإعلام الضائع ، والخطاب السياسي المبتور والمسحوق والمغتصب .
في المنعطفات نناشد الفتحاوي الصلب، وعند قطاف المحاصيل نسلم رقابنا لنخب التكنوقراط الذين لا يعرفون طرق البلاد ولا روادها وناسها ومناضليها .
وتقول لكم جماهير فتح : أما الفساد، فلا تطلبوا منا أن نصمت عنه ونصفق له ، ونتخلى عن معايير الثقة والشفافية . الناس تتحدث عن فساد: السفارات والوزارات والشركات والأسواق والممتلكات والأراضي الحكومية والوقفية، وعن نفوذ يتقدم على القانون، وعن فجوة تتسع بين المواطن ومن يملك القرار، وعن هوامير المال والأعمال الذين يسيطرون على مقدرات البلاد والعباد .
وهذه صور لا تعالجها عبارات عامة، تبتعد عن مسارات المسؤولية الوطنية والجمعية والانضباط. إذا أردتم استنهاض الجماهير، فواجهوا ما يهدم ثقة الناس بحركة فتح . افتحوا الملفات ، فعلوا المساءلة ، حاسبوا الفاسدين ، أعيدوا الهاربين والمهربين والحرامية ومغتصبي المال العام . أوقفوا المحاباة، وأعيدوا الاعتبار للقانون ، ضعوا الحقائق أمام الرأي العام بصورة مهنية. لا يمكن أن تطلبوا من المواطن أن يدافع عن نظام سياسي لا يرى فيه عدالة في توزيع الفرص ، ولا وضوحا في المسؤولية، ولا جدية في محاسبة المتجاوزين . الشعب لا يرى في رام الله ، للأسف ، سوى: ممالك ومزارع خاصة ، تتسع المسافات بينها وبين الناس رويدًا رويدًا .
وتقول لكم جماهير فتح عن الانتخابات: نحن مع قرار الانتخابات؛ ولكننا ضد إعادة إنتاج الوجوه باسم الانتخابات، وضد توزيع الحصص من خلال صناديق الانتخاب. لا نريد تكرار تجربة المؤتمر الثامن: قوائم ترتب مسبقا ، وأسماء تختار في الغرف المغلقة، وتحالفات داخلية تهندس، ونتائج يعرف أصحابها اتجاهها قبل أن يصلوا إلى الصناديق . لا نريد أن تأتي الانتخابات لتعيد الأحبة والخلان والأقارب بالطريقة نفسها ، ثم تقدم النتائج كأنها صوت الإرادة الشعبية. يريد الفتحاويون أن يروا رموز حركتهم ، ويسمعوا صدى أصواتهم ، ويشاهدوا خياراتهم التي رافقتهم ، في أوقات السلم والحرب ، وفي داخل كهوف الجبال، وبين سنابل السهول.
وتقول لكم جماهير فتح : حلوا خلافاتكم أولا ، ثم تعالوا حدثونا عن الوحدة والاصطفاف . لا تطلبوا من القاعدة أن تتوحد خلفكم، بينما خلافات اللجنة المركزية والمجلس الثوري قائمة منشورة على الملأ . ولا تطلبوا من الأقاليم أن تكون قوية وأنتم تركتم بنيتها التنظيمية تتآكل ، ولا تتحدثوا عن تفعيل الأطر الحركية وأنتم تعرفون حجم التفكك الذي أصابها. أعيدوا الحياة إلى المجلس الثوري ، وأعيدوا بناء الأقاليم والمجالس الحركية ، وأعيدوا الكادر المؤسس إلى موقعه الطبيعي في صناعة القرار والقيادة . والأهم: أعيدوا فتح إلى فلسطين من النهر إلى البحر، لا تبقوها مختزلة في دهاليز وحدود العاصمة السياسية المؤقتة رام الله فقط .
حفظنا الدرس: أنتم في رام الله حريصون على مقود النظام السياسي والاقتصادي وعناوينه ورجالاته وشرعياته ، بينما يعيش الشعب الفلسطيني خارجها معاركه الملتهبة . جماهير فتح ليسوا ماكينة انتخابية تُستدعى عند الحاجة، نحن لسنا حمير أعراس “نازلين محملين، طالعين فاضيين”. نحن صناع التاريخ والجغرافيا حين كان الوطن المحتل وحيدًا يواجه التحديات والتقسيمات والخيانات .
نقول لكم ذلك لأننا نريد لفتح أن تبقى وتسود بالعدل والحق، لا أن تتحول إلى مجرد اسم داخل نظام سياسي محاصر ومأزوم ومتهالك . نريد حركة تعرف لماذا وجدت ، ولمن تنتمي، ومن أين تستمد شرعيتها . نريدها بين الناس لا فوقهم، وفي الأرض لا في البيانات .
لا تطلبوا من جماهير فتح أن تنقذ حركة لم تسمحوا لها بأن تنقذ نفسها. ولا تطلبوا منها أن تصطف خلفكم قبل أن تصلحوا البيت الذي تريدون منها أن تصطف داخله .
في هذه اللحظة الفلسطينية الخطرة، لا نريد بيانات عن الجاهزية، نريد فتح جاهزة فعلًا . ولا نريد حديثا عن الجماهير . نريد أن تعود فتح إلى جمهورها.
ولا نريد انتخابات تعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس الخطاب ونفس الطريق . نريد إرادة الفتحاويين والفلسطينيين كما هي ، لا كما ترتب لهم .
هذه ليست رسالة غضب عابرة من جماهير فتح ؛ إنها رسالة من داخل الحركة إلى قيادتها: أنتم لا تحتاجون إلى استنهاض الجماهير بقدر ما تحتاجون إلى استنهاض فتح نفسها، قبل أن يسبقنا الاحتلال إلى ما تبقى من الأرض ، وقبل أن يفقد الناس ما تبقى من ثقتهم بالحركة والمشروع الوطني . اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد .



