القوائم الانتخابية… عندما تغيب المعايير يضيع التمثيل الحقيقي
الكاتب: بسام زكارنة
نحن جميعا نريد الانتخابات ونريد أن يعود الشعب الفلسطيني إلى ممارسة حقه في اختيار ممثليه لكن قبل أن نسأل كيف ننتخب علينا أن نسأل السؤال الأهم؟ ماذا نريد من المجلس التشريعي الذي سننتخبه ومن هم القادرون فعلا على القيام بهذه المهمة؟ وهل نريد مجلسا تشريعيا يتحول فيه المقعد إلى مجرد وظيفة يحصل شاغلها على راتب مرتفع ومزايا وسيارة و تحقيق مكاسب شخصية ؟ أم نريد مجلسا يرى النائب فيه أن عضويته مسؤولية وطنية وتشريعية ورقابية قبل أن تكون امتيازا أو وظيفة.
نريد مجلسا تشريعيا يشرع القوانين التي يحتاجها شعبنا ويواكب التشريعات الحديثة ويراقب الحكومة والسلطة التنفيذية ويحمي المال العام ويحاسب المقصر ويدافع عن حقوق المواطن مجلسا يشعر معه الفلسطيني أن هناك من يمثله فعلا ويستطيع أن يقف به أمام العالم بثقة واحترام.
من هنا ليست المشكلة في نظام القوائم من حيث المبدأ ولا في حق أي فصيل أو مجموعة أو مستقل في الترشح المشكلة الحقيقية هي في المعايير التي ستنتج هذه القوائم ومن يختار أسماءها وعلى أي أساس؟.
في السابق كانت التنظيمات السياسية أكثر قوة من الناحية التنظيمية وكانت الانتخابات الداخلية والهيئات والبرامج السياسية توفر بدرجات متفاوتة مرجعية لاختيار المرشحين ومتابعة أدائهم أما اليوم فقد ضعفت هذه الأدوات وأصبحت مراكز النفوذ والعلاقات الشخصية قادرة على التأثير بصورة أكبر في اختيار الأسماء.
وهنا يصبح السؤال مشروعا هل سيكون اختيار المرشح على أساس الكفاءة والنزاهة والخبرة والتاريخ والموقف الوطني والقدرة على التشريع والرقابة؟ أم على أساس القرب من أصحاب القرار ومراكز النفوذ؟
فالناخب عندما يصوت لقائمة قد يمنح صوته لأسماء يثق بها لكنه في الوقت نفسه يمنحه لأسماء أخرى قد لا يعرف تاريخها أو قدراتها وهنا تكمن المشكلة القائمة الجيدة لا تكفي إذا لم تكن جميع أسمائها جديرة بالثقة والمسؤولية.
والأمر ينطبق أيضا على القوائم المستقلة فالاستقلالية ليست عيبا بل قد تكون مصدر قوة وهناك شخصيات وطنية ومجتمعية مستقلة يمكن أن تشكل إضافة حقيقية للمجلس لكن من حق المواطن أن يعرف تاريخ المرشح ومواقفه وخبرته وحضوره العام وأن يسأل هل سيكون قادرا على ممارسة الرقابة؟ وهل سيقول لا عندما تكون لا مكلفة؟.
كذلك لا يمكن تجاهل المال الانتخابي من يمول الحملات؟ وكم ينفق؟ وهل توجد شفافية وسقف للإنفاق؟.
فالمال الذي يصنع الوصول إلى المجلس قد يحاول لاحقا صناعة النفوذ داخله ولذلك فإن شفافية التمويل ليست تفصيلا انتخابيا بل ضمانة أساسية لاستقلال النائب.
ونحن أمام واقع أكثر تعقيدا لأننا لم نخض انتخابات تشريعية منذ عام 2006 جيل كامل لم يعش تجربة انتخابية تسمح له بمعرفة أداء النواب ومحاسبتهم وإعادة انتخابهم أو إسقاطهم ولذلك لا يجوز أن يكون الاختيار قائما فقط على الاسم أو الشهرة أو الانتماء أو قوة الحملة الانتخابية.
ومن هنا لا أرى أن الحل يكمن في إلغاء نظام القوائم والعودة إلى الدوائر كما لا أرى أن القوائم بصورتها الحالية هي الخيار الأفضل بالضرورة.
الأقرب إلى واقعنا الفلسطيني في تقديري هو نظام انتخابي مختلط يجمع بين القوائم والدوائر فالقوائم تضمن التمثيل السياسي والبرامجي بينما تمنح الدوائر المواطن فرصة اختيار أشخاص محددين يعرف تاريخهم وقدرتهم ويستطيع محاسبتهم مباشرة.
لكن نجاح أي نظام لن يتحقق بمجرد تغيير طريقة الاقتراع المطلوب أن يرافقه نظام واضح للمعايير والشفافية انتخابات داخلية حقيقية لاختيار مرشحي التنظيمات ومعايير معلنة للكفاءة والنزاهة والخبرة وشفافية كاملة في مصادر تمويل الحملات وسقف للإنفاق وضوابط تمنع تضارب المصالح واستغلال النفوذ.
كما يجب أن تكون هناك معلومات واضحة ومتاحة للناخب عن كل مرشح سيرته وخبرته ومواقفه العامة ومصادر تمويل حملته وأي مصالح قد تتعارض مع دوره كنائب.
فالهدف ليس أن ننتج انتخابات نزيهة فقط وإنما أن ننتج مجلسا تشريعيا نزيها وكفؤا وقادرا على التشريع والرقابة والمحاسبة.
نحن لا نحتاج إلى مجلس يملأ المقاعد بل إلى مجلس يملأ دوره.
مجلسا إذا رأى فسادا قال لا وإذا رأى ظلما وقف ضده وإذا أخطأت الحكومة مارس دوره الرقابي وإذا تعارضت مصلحة المواطن مع مصلحة صاحب النفوذ اختار المواطن.
وقبل أن نسأل من سيفوز في الانتخابات علينا أن نسأل أولا أي نظام انتخابي سيمنح المواطن أفضل فرصة لاختيار من يستحق أن يمثله؟
هذه المرة لا يكفي أن نعود إلى الانتخابات علينا أن نعود إليها بنظام أفضل ومعايير أوضح ومجلس أقوى لأن الهدف ليس مجرد انتخاب نواب بل بناء مؤسسة تشريعية تليق بشعب يريد أن يبني دولة.



