الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:36 AM
الظهر 12:44 PM
العصر 4:23 PM
المغرب 7:29 PM
العشاء 8:50 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

معلّبات خطابية لا تنتهي صلاحيتها

الكاتب: رامي مهداوي

ربما آن الأوان أن نعترف بأننا لم نعد نعاني فقط من فائض في الكلام، بل من تضخم لغوي أصاب وعينا السياسي والثقافي حتى أصبحنا ننتج الكلمات بمعدل يفوق قدرتنا على إنتاج الواقع. لقد امتلأت حياتنا بمعلّبات فكرية جاهزة، تُفتح عند الحاجة، وتُستهلك عند الأزمات، ثم تُعاد إلى الرف بانتظار الكارثة التالية: نستنكر، ندين، نرفض، نحذر، نتمسك، نؤكد، ونحمّل المسؤولية. ثم ماذا؟ نعود إلى الصمت.

المشكلة ليست في الكلمات. الكلمات هي أول أدوات الإنسان لصناعة التاريخ. لكن الكلمة تفقد قيمتها عندما تنفصل عن القدرة على تحويلها إلى فعل. عندها لا تعود خطابًا، بل تصبح مخدرًا جماعيًا يمنحنا وهم المشاركة فيما يحدث، بينما نحن في الحقيقة نكتفي بمشاهدة التاريخ من مقاعد المتفرجين.

لقد صنعنا، عبر عقود طويلة، قاموسًا كاملًا للهزيمة دون أن نعترف بأنها هزيمة، وقاموسًا كاملًا للانتصار دون أن نمتلك دائمًا مقوماته. نسمي الانتظار صمودًا، والعجز حكمة، والانقسام تعددية، والفشل تعثرًا، والتراجع إعادة تموضع، والصمت مسؤولية.

 وأحيانًا نمنح الهزيمة اسمًا أكثر أناقة حتى لا تضطر عقولنا إلى مواجهتها. وهنا تكمن خطورة المعلّب الفكري: أنه لا يكذب بالضرورة، لكنه يقول جزءًا من الحقيقة بطريقة تمنعنا من رؤية الجزء الآخر.

حين نقول إن الاحتلال هو سبب مأساتنا، فنحن نقول حقيقة لا تحتاج إلى برهان. لكن حين نجعل الاحتلال تفسيرًا وحيدًا لكل شيء، نكون قد حوّلنا الحقيقة إلى قفص فكري. لأن الاحتلال لا يعفينا من مسؤولية بناء واقع أفضل، ولا من محاربة الفساد ومحاكمتهم، ولا من إنتاج اقتصاد قادر على الصمود، ولا من مراجعة أخطائنا السياسية والاجتماعية.

المشكلة تبدأ حين تتحول الضحية إلى هوية مكتملة؛ هوية لا تحتاج إلى مراجعة لأنها تجد في الألم ما يكفي لإثبات البراءة. وهنا يصبح النقد فعل مقاومة حقيقيًا.

إدوارد سعيد لم يكن يرى المثقف شاهدًا على عصره فقط، بل رأى أن وظيفته الأساسية هي أن يقف في المسافة الصعبة بين السلطة والجمهور، وأن يقول الحقيقة حتى عندما تكون غير مرغوبة. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للمثقف الفلسطيني أن يتحول من صاحب سؤال إلى صاحب شعار، ومن ناقد إلى حارس للرواية الرسمية، ومن عقل مستقل إلى جهاز علاقات عامة لمجموعة سياسية أو اجتماعية.

المثقف الذي لا يزعج يقيننا لا يؤدي وظيفته. والسياسة التي لا تحتمل السؤال تتحول إلى عقيدة.والمجتمع الذي يخاف من نقد نفسه محكوم بأن يكرر أخطاءه في كل مرة بثقة أكبر.

قال غرامشي: "تشاؤم العقل، وتفاؤل الإرادة." وربما نحتاج اليوم إلى استعادة هذا المعنى بكل قسوته. تشاؤم العقل يعني أن نكف عن خداع أنفسنا، وأن نرى الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. وتفاؤل الإرادة يعني ألا يتحول الاعتراف بالواقع إلى استسلام.

نحن لا نحتاج إلى خطاب أكثر ارتفاعًا، بل إلى وعي أكثر عمقًا.لا نحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى أفعال تجعل الشعارات القديمة أقل حاجة إلى التكرار.

ما قيمة أن نقول "الوحدة الوطنية" ألف مرة إذا كنا لا نحتمل الاختلاف؟ وما قيمة الحديث عن "سيادة القانون" إذا كان القانون يطبق أحيانًا على الضعيف أكثر مما يطبق على القوي؟ وما قيمة الحديث عن "تمكين الشباب" إذا بقي الشباب خارج دوائر القرار؟ وما قيمة الحديث عن "الكرامة الإنسانية" إذا كان المواطن يضطر إلى البحث عن واسطة كي يحصل على حقه؟

إن أخطر أنواع الخطاب ليس الكذب الصريح، وإنما الكلام الصحيح الذي لا ينتج شيئًا.لأن الكذبة يمكن كشفها، أما العبارة الجميلة فتستطيع أن تعيش طويلًا، وأن تنتقل من جيل إلى جيل، وأن تتحول مع الوقت إلى حقيقة اجتماعية لمجرد أننا كررناها كثيرًا.

لقد آن الأوان أن نعيد تعريف الوطنية.الوطنية ليست في عدد المرات التي نردد فيها أسماء الوطن، وإنما في مقدار ما نضيفه إليه.ليست في ارتفاع الصوت، بل في ارتفاع مستوى الفعل.وليست في قدرتنا على إنتاج خطاب مؤثر، بل في قدرتنا على إنتاج واقع يستحق الخطاب.

ربما حان الوقت أن نتوقف عن فتح علب الشعارات القديمة عند كل أزمة، وأن نسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا: ماذا لو لم تكن مشكلتنا في أننا لا نعرف ماذا نقول، بل في أننا لا نفعل ما نقول؟

عندها فقط، قد نكتشف أن أخطر ما نحتاج إلى تحريره ليس الأرض وحدها، بل عقولنا من الكلمات التي تحولت، لكثرة استعمالها، إلى سجون.

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...