أقل الكلام| هدم أوسلو"2"
الكاتب: إبراهيم ملحم
الحديث عن أوسلو "البدايات والتوقعات والمآلات" يتجاوز حدود الكتب والمؤلفات والشهادات، التي أعقبت التوقيع على الاتفاق مدحاً وقدحاً وتوجساً، بعد أن تكشّفت شياطين التفاصيل التي جعلت منه قنبلة موقوتة قابلة للانفجار، حتى أن الرئيس أبو مازن الذي وقع الاتفاق في حديقة البيت الأبيض عام ثلاثة وتسعين وصفه في كُتيّبٍ أصدره في ذلك الحين بأنه "إما أن يؤدي إلى الجنة، أو يفضي إلى الجحيم".
إذا لم يكن ما نتعرض له اليوم جحيماً، فما هو الجحيم إذن؟!
فالتحولات الميدانية تشير إلى أن تصفية اتفاق "أوسلو" لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت مساراً متدرجاً بدأ بصعود اليمين على جثة رابين، ثم توالت بعدها الانقلابات على التعهدات، حتى اغتيال الشهيد الخالد ياسر عرفات بعد حصاره وشيطنته واعتباره غير ذي صلة، لتتكرر التجربة مع الوريث الذي -رغم ما قدمه من مواقف ومقاربات إيجابية وما انتهجه من سياساتٍ سلمية- فقد وُجهت إليه اتهاماتٌ بممارسة الإرهاب الدبلوماسي، وتمت إطاحة شريكه "أولمرت" لمجرد أنه رسم له خريطةً أظهر فيها استعداده لتقسيم القدس والتنازل عن أراضٍ.
ما تتعرض له الأراضي المحتلة اليوم تنبأت به وثيقةٌ حملت عنوان "رؤية إسرائيل الاستراتيجية في الثمانينيات"، تضمنت نصوصاً صريحةً بأن إسرائيل قد تضطر لقصف المدن الفلسطينية بالمدافع والطائرات، فسوء الطويّة يكمن في تضاعيف كل اتفاقٍ يوقعونه وكل وعدٍ يقطعونه.. فعملية السلام ليست سوى لعبةٍ لشراء الوقت قبل إحكام السيطرة على الأرض، وهدم كل ما نشأ عليها من أثر ذلك الاتفاق.
يُحكى أنّ كاهناً أراد جمع التبرعات في إحدى المدن الأوروبية لهدم كنيسة متداعية، وبناء أُخرى جديدة مكانها، فتقدم رجلٌ ملحدٌ أعرب عن رغبته في التبرع، شريطة أن يُخصَّص تبرعه لهدم الكنيسة القديمة لا لبناء الجديدة. ما تقوم به واشنطن اليوم يتماهي مع تلك الحكاية بكل أبعادها الفاجرة، فقد قدمت المال والسلاح لهدم "أوسلو"، وارتكاب الإبادة بحق السكان والمساكن، وساعدت الجناة على الإفلات من العقاب، دون أن تخطو خطوة واحدة باتجاه إعادة البناء، فمجزرة الميناء أمس تكشف ما يختزنه قعر الإناء وتواطؤ واشنطن مع الجناة… ومن يعتقد غير ذلك ينطبق عليه المثل المصري: "يا طالب السمنة من لبن النملة".



