طبول الحرب الصامتة: هل تقترب إسرائيل وتركيا من المواجهة المباشرة؟!
الكاتب: عكرمة ثابت
شهدت العلاقات الإسرائيلية التركية تحولات حادة في السنوات الأخيرة ، حيث تحولت من تحالف استراتيجي قديم إلى حالة من العداء السياسي واللفظي غير المسبوق ، خاصة مع تصاعد المجازر الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية .
ومع زحف منطقة الشرق الأوسط نحو حافة الانفجار الشامل ، يطرح السؤال نفسه: هل يمكن أن تتحول هذه الحرب الكلامية إلى مواجهة عسكرية مباشرة ؟ وكيف سيؤثر هذا السيناريو على القضية الفلسطينية؟
أولاً : محفزات المواجهة وسيناريوهات الصدام :
رغم وجود علاقات تجارية خفية أو سابقة ، إلا أن احتمالية الاحتكاك العسكري بين الطرفين لم تعد ضرباً من الخيال، وذلك لعدة أسباب اهمها :
_ الدعم التركي للمقاومة: تبني أنقرة لموقف علني داعم لحركة حماس وفصائل المقاومة يعتبر خطاً أحمر بالنسبة لإسرائيل .
_ التمدد الإسرائيلي : تخوف تركيا من طموحات إسرائيل التوسعية في المنطقة ، والتي ترى أنقرة أنها قد تهدد أمنها القومي على المدى الطويل .
_ الصدام البحري والتشابك الإقليمي : خطوط الغاز وصراع النفوذ في شرق البحر المتوسط ، إلى جانب الوجود التركي في سوريا ولبنان ، يجعل نقاط الاحتكاك غير المباشر قابلة للاشتعال في أي لحظة.
ومع ذلك ، يُستبعد سيناريو "الحرب الشاملة" والمباشرة (جيش ضد جيش) نظراً لعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ، ومخاطر دخول الولايات المتحدة على الخط لحماية إسرائيل . السيناريو الأقرب هو "المواجهة بالوكالة" أو "الضربات الموضعية المحدودة" ، كأن تستهدف إسرائيل سفن إغاثة تركية أو قواعد حليفة لأنقرة في سوريا .
ثانياً : التأثير على منطقة الشرق الأوسط :
أي مواجهة ؛ حتى لو كانت محدودة ؛ بين قوتين عسكريتين بهذا الحجم ستؤدي إلى زلزال إقليمي :
_ إعادة رسم التحالفات : ستجبر الدول العربية والإقليمية على اتخاذ مواقف واضحة ، مما قد يعمق الانقسام بين "المحور الموالي للغرب وإسرائيل" و"محور المقاومة والممانعة" الذي ستجد تركيا نفسها أقرب إليه .
_ اشتعال جبهات إضافية : قد تتحرك الساحة السورية واللبنانية بشكل أعنف ، نظراً للتداخل العسكري التركي والإسرائيلي هناك .
_ تهديد أمن الطاقة العالمي : صراع في شرق المتوسط يعني شلل حركة الملاحة وخطوط نقل الغاز ، مما يرفع أسعار الطاقة عالمياً.
ثالثاً: التأثير على فلسطين وقضيتها (المركز والعمق)
تعتبر القضية الفلسطينية هي المحرك الأساسي لهذا التوتر ، وتأثير أي مواجهة سينعكس عليها مباشرة في ثلاثة مسارات رئيسية :
1. تخفيف الضغط العسكري عن غزة والضفة :
إذا انشغلت إسرائيل بجبهة جديدة أو احتكاك عسكري مع قوة بحرية وإقليمية مثل تركيا ، فإن ذلك سيؤدي حتماً إلى تشتيت جهود الجيش الإسرائيلي واستنزاف قدراته الاستخباراتية والعسكرية ، مما يمنح الفصائل الفلسطينية مساحة أكبر للمناورة والتقاط الأنفاس .
2. تعزيز الموقف السياسي والدبلوماسي الفلسطيني :
دخول تركيا في مواجهة علنية سيعطي القضية الفلسطينية ظهيراً إسلامياً وإقليمياً قوياً وازناً .
سيزيد ذلك من عزلة إسرائيل الدولية ، ويمنح المفاوض الفلسطيني أوراق ضغط أقوى في المحافل الدولية لطرح حل الدولتين أو فرض عقوبات على الاحتلال .
3. خطر "التدويل" وتحويل فلسطين لساحة تصفية حسابات :
على الجانب السلبي ، هناك مخاوف من أن تتحول الأرض الفلسطينية إلى مجرد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بين أنقرة وتل أبيب ، حيث قد تزيد إسرائيل من شراستها ضد الفلسطينيين كرد فعل انتقامي على أي ضربة تركية ، أو تستخدم شعارات "محاربة النفوذ التركي" لكسب تأييد أمريكي وأوروبي أوسع .
إن احتمالية المواجهة المباشرة بين إسرائيل وتركيا تبقى محكومة بحسابات معقدة ، لكن استمرار الغطرسة الإسرائيلية وتجاوز الخطوط الحمراء قد يدفع المنطقة نحو هذا السيناريو . بالنسبة لفلسطين ، فإن أي إضعاف لركائز النفوذ الإسرائيلي يصب في مصلحة قضيتها ، شريطة أن تنجح القيادة والفصائل الفلسطينية في استثمار هذا الصراع لخدمة المشروع الوطني التحرري ، وليس للاستقطاب الإقليمي .



