انتخابات التشريعي في محافظة سلفيت… حديث الشارع
الكاتب: د. عمر السلخي
هل ننتخب النواب… أم ننتظر أن تنتخبهم الظروف؟
في سلفيت، بدأت الانتخابات التشريعية قبل أن تبدأ الانتخابات.
لا صناديق اقتراع بعد، ولا حملات رسمية، ولا قوائم نهائية، لكن الشارع بدأ يمارس هوايته المفضلة:
التحليل الانتخابي على فنجان قهوة.
في المقهى، في البلدية، في المكتب، في المناسبات الاجتماعية، وحتى في الطريق بين سلفيت وبلداتها، السؤال واحد:
«هل ستجري الانتخابات أصلاً؟»
والسؤال الثاني:
«وإذا جرت… مين مرشح؟»
أما السؤال الثالث، وهو الأخطر:
«مين راح يكون متقدم في القائمة؟»
وهنا تبدأ الحكاية.
هل ستجري الانتخابات؟
رسمياً، الموعد موجود: 28 نوفمبر 2026.
والمرسوم موجود، والجدول الانتخابي موجود، ولجنة الانتخابات تعمل.
لكن الشارع السلفيتي لا يزال ينظر إلى الموعد بنظرة فلسطينية تقليدية:
«إن شاء الله… إذا مشت الأمور».
وهذه العبارة وحدها تحتاج إلى مركز أبحاث.
لأن «إذا مشت الأمور» في السياسة الفلسطينية قد تعني: الأسبوع القادم…أو الشهر القادم…أو بعد الانتخابات…أو بعد أن تتغير الظروف…أو ببساطة:الله أعلم.
لكن التشكيك في الموعد لا يعني أن الانتخابات لن تجري حتماً؛ بل يعكس أسئلة حقيقية حول قدرة العملية على الوصول إلى يوم الاقتراع في ظل الظروف السياسية والأمنية، وخصوصاً في القدس وغزة، إضافة إلى قدرة القوائم والقوى السياسية على استكمال ترتيباتها.
المعيقات… والانتخابات التي تريد أن تولد قبل أن تولد
المشكلة ليست فقط:هل توجد انتخابات؟
المشكلة:هل توجد بيئة تسمح بانتخابات طبيعية؟
هناك الاحتلال، هناك الاستيطان، هناك الحواجز،هناك الاعتقالات،هناك الوضع في غزة،هناك القدس، هناك الأزمة المالية.وهناك الانقسام السياسي، وفوق كل ذلك، هناك مشكلة فلسطينية داخلية صغيرة جداً اسمها:
«التحالفات؟» وهذه وحدها قادرة على تأجيل الانتخابات إلى أن ينتهي الاحتلال من بناء كل المستوطنات!
ساحة سلفيت الانتخابية
سلفيت ليست محافظة انتخابية عادية،هي محافظة صغيرة جغرافياً، لكنها كبيرة جداً في تعقيداتها السياسية والاجتماعية والتنظيمية: فكل مرشح لديه رواية عن حجم جماهيريته، وكل واحد تقريباً يعرف:
«أنا عندي أصوات»، المشكلة أن الجميع عنده أصوات، ولو جمعنا أصوات كل المرشحين كما يتحدثون عنها في المجالس، لاحتجنا إلى محافظة جديدة لاستيعابها!
من هم مرشحو التشريعي؟
حتى الآن، لا ينبغي التعامل مع الأسماء المتداولة في الشارع باعتبارها قوائم نهائية أو ترشيحات رسمية ما لم تُعلن وفق الإجراءات القانونية، وهنا تبدأ أجمل لعبة سياسية:التسريبات، «فلان مرشح»، «لا، فلان اعتذر»،«فلانة ضمن القائمة»،«لا، تم استبعادها»، فلان مدعوم ، فلان قوي ،وهكذا تتحول الانتخابات إلى أكبر بورصة شائعات في المحافظة.
المشكلة ليست في قلة المرشحين… بل في كثرتهم
كل انتخابات تنتج قائمة طويلة من الأشخاص الذين يرون في أنفسهم مواصفات النائب القادم، هذا لديه الخبرة، ذاك لديه الشعبية، اخر لديه التنظيم، فلان لديه العلاقات، لديه المال، واخر لديه كل شيء…
إلا أنه لا يعرف ماذا سيفعل في المجلس!
من هو النائب الذي نريده في محافظة سلفيت؟
هنا يجب أن يتغير حديث الشارع، لا نريد نائباً يعرف كيف يصل إلى البرلمان، نريد نائباً يعرف لماذا وصل إليه.
لا نريد نائباً يملك أكبر عدد من الصور، نريد نائباً يملك أكبر قدرة على الإنجاز.
لا نريد نائباً يزور الناس في موسم الانتخابات ثم يختفي أربع سنوات، نريد نائباً يستطيع أن يعود إلى الناس وهو يحمل:
مشروعاً، قانوناً، موقفاً، رقابة، ومحاسبة.
نريد من يعرف:قضية الاستيطان، قضية الأرض، قضية العمال، قضية الزراعة،قضية المياه، قضية الطرق، قضية الصناعة، قضية الشباب، قضية البطالة، قضية التعليم والصحة .
وقضية القرى والبلدات التي لا تريد من النائب أن يأتيها بصورة انتخابية، بل تريد منه أن يحمل قضاياها إلى المجلس والحكومة.
نريد نائباً يستطيع أن يقول:«هذه قضية محافظة سلفيت».
ثم يعرف كيف يحولها إلى:سؤال برلماني،
ومساءلة،وتشريع،وموازنة،ومتابعة.
النائب الذي نريده ليس «واسطة متنقلة»
هذه ربما أهم نقطة، سلفيت لا تحتاج نائباً مهمته الاتصال بالوزير من أجل معاملة.
ولا نائباً يتحول إلى مكتب خدمات شخصية.
ولا نائباً يوزع الوعود، ولا نائباً يقول لكل مواطن:«أبشر»، ثم يختفي.
نحن بحاجة إلى نائب يراقب الوزير، لا نائب يبحث عن الوزير.
يشرّع القانون، لا يطلب الاستثناء.
يدافع عن المصلحة العامة، لا عن مجموعة من الأشخاص.
ويعرف أن صوته في المجلس ليس ملكاً له.
إنه أمانة الناخب.
وهنا السؤال الأصعب
إذا كان الجميع يتحدث عن الوحدة الوطنية…
فلماذا تبدأ الخلافات عند ترتيب الأسماء؟
إذا كان الجميع يتحدث عن الكفاءة…
لماذا تصبح العلاقات أهم من السيرة؟
إذا كان الجميع يتحدث عن الشباب…
أين الشباب في المواقع المتقدمة؟
إذا كان الجميع يتحدث عن المرأة…
هل ستكون شريكة حقيقية أم مجرد استكمال للنسبة القانونية؟
وإذا كان الجميع يتحدث عن البرنامج…
أين البرنامج؟
سلفيت لا تحتاج 100 مرشح… تحتاج رؤية
المجلس التشريعي ليس مجلساً للعلاقات العامة، وليس مجلساً للعزائم، وليس مجلساً للصور، وليس مكتب خدمات للمحافظة.
النائب الحقيقي يجب أن يكون:صوتاً، وعقلاً، ورقابة، وموقفاً.
ولذلك، ربما يكون السؤال الذي يجب أن يتصدر حديث الشارع في سلفيت من الآن وحتى يوم الاقتراع ليس:«من المرشح؟»
بل:
«من يستحق أن يكون نائباً؟»
ومن يستطيع أن يثبت ذلك؟
ليس بالصور، ولا بالوعود، ولا بالجاه، ولا بالدعم، بل ببرنامج واضح، وسجل نظيف، وقدرة حقيقية، وشجاعة في اتخاذ الموقف.
أما الانتخابات…فإن جرت في موعدها، فهذه ستكون مهمة الصندوق.
أما اختيار النائب الأفضل…
فهذه مسؤولية الناس.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر قسوة في انتخابات محافظة سلفيت:
هل نريد نائباً ينجح في الانتخابات… أم نائباً تنجح محافظة سلفيت به؟
الفرق بين الاثنين…قد يكون أربع سنوات كاملة.



