هل يفعلها القائد حسين الشيخ أبو جهاد؟
الكاتب: سامي إبراهيم فودة
مصالحةٌ تُعيد ترتيب البيت الفتحاوي... أم أن قطيعة الأعوام أقوى من نداء الوطن؟
حين تصبح وحدة فتح ضرورةً وطنية لا ترفًا سياسيًا
في السياسة، هناك خلافاتٌ يمكن أن تطول، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى قدرٍ أبدي. وهناك قطيعة قد تبدأ بخلاف، ثم تكبر حتى يصبح ثمن استمرارها أكبر من ثمن المصالحة نفسها.
ومن هنا يأتي السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم بصوتٍ عالٍ:
هل يفعلها الأخ القائد حسين الشيخ أبو جهاد، ويفتح بابًا جادًا لإصلاح ما أفسدته سنوات القطيعة مع الأخ القائد محمد دحلان؟
السؤال لم يعد مجرد أمنية، ولا قراءة سياسية من بعيد.
فقد جرى تحرك من قيادة حركة فتح ضم الأخ القائد حسين الشيخ، والأخ القائد روحي فتوح، والأخ اللواء ماجد فرج، في خطوة تحمل دلالة سياسية وتنظيمية تستحق التوقف عندها. والأهم أن الأخ القائد حسين الشيخ أكد عبر وسائل الإعلام أن هناك تواصلًا قائمًا منذ فترة مع التيار الإصلاحي الذي يقوده الأخ القائد محمد دحلان.
وهنا تتغير زاوية النظر.
لم يعد السؤال:
هل بدأ التواصل؟
بل أصبح:
إلى أين يمكن أن يصل؟
هل يبقى مجرد قناة لإدارة الخلاف، أم يتحول إلى جسر حقيقي يعبر فوق سنوات القطيعة، وصولًا إلى تفاهم فتحاوي يعيد ترتيب البيت من الداخل؟
وهذه ليست مسألة هامشية، ولا ترفًا سياسيًا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية.
فتح أكبر من خلافات أبنائها
لا أحد يستطيع إنكار أن الخلافات داخل البيت الفتحاوي أضعفت الحركة، واستنزفت طاقاتٍ كان يمكن أن تكون جزءًا من قوتها، وعمّقت المسافة بين أبناء يجمعهم تاريخ واحد، وتضحيات واحدة، وراية واحدة.
لكن المرحلة الحالية لا تحتمل أن نبقى أسرى للسؤال القديم:
من كان على حق؟
السؤال الأهم اليوم:
من يملك شجاعة إصلاح ما أفسده الخلاف؟
فالقيادة ليست فقط أن تعرف كيف تدير الخصومة، وإنما أن تعرف أيضًا متى تصبح المصالحة مصلحةً أعلى من استمرار الخصومة.
ومن هنا تأتي أهمية التواصل القائم.
فإذا كانت القنوات قد فُتحت، فالمطلوب ألا تبقى مجرد خطوط اتصال مفتوحة إلى أجل غير مسمى، بل أن تُستثمر في صناعة تفاهم حقيقي، يضع مصلحة فتح فوق الحسابات القديمة.
ومحمد دحلان... هل آن أوان تغليب المستقبل؟
والحديث هنا لا ينبغي أن يوجه إلى حسين الشيخ وحده.
فالمصالحة لا يصنعها طرف واحد.
كما أن المطلوب من الأخ القائد محمد دحلان والتيار الإصلاحي ليس محو الماضي، ولا التخلي عن القناعات، ولا التظاهر بأن سنوات الخلاف لم تكن موجودة.
المطلوب أن ينظر الجميع إلى المستقبل بعينٍ مختلفة.
ليس المطلوب أن يعود الجميع إلى ما كان عليه قبل الخلاف، وإنما أن يصنعوا صيغة جديدة لما بعد الخلاف.
صيغة لا يكون فيها منتصر ومهزوم، ولا غالب ومغلوب.
المنتصر الوحيد يجب أن يكون فتح.
الخطر ليس بعيدًا
المشهد القادم لا ينتظر أحدًا.
نحن أمام استحقاقات وطنية وانتخابية، وأمام انتخابات تشريعية ورئاسية، وأمام تحالفات سياسية وفصائلية يمكن أن تعيد تشكيل المشهد، فيما تستعد قوى وخصوم لمواجهة فتح في ميدان لن يكون سهلًا.
وهنا يجب أن نكون أكثر واقعية:
إضعاف فتح لا يحتاج دائمًا إلى خصم قوي من خارجها؛ أحيانًا يكفي أن تدخل فتح معركتها وهي منشغلة بخلافاتها الداخلية.
وهذه هي المعادلة التي يجب أن تُفهم جيدًا.
أخطر معركة قد تخوضها فتح ليست فقط مع خصومها، وإنما مع جراحها الداخلية.
فالانتخابات لا ترحم التنظيمات المنقسمة.
ولا يكفي أن يكون للحركة تاريخ عظيم، ولا يكفي أن تكون صاحبة خطاب وطني، ولا يكفي أن ترفع راية فتح.
القوة الانتخابية الحقيقية هي أن تكون الحركة موحدة، حاضرة، قادرة على استيعاب أبنائها، ومقنعة لجمهورها بأنها قادرة على إدارة المرحلة القادمة.
فهل يستطيع حسين الشيخ أن يصنع المفاجأة؟
ربما لا تحتاج المسألة إلى معجزة سياسية.
تحتاج إلى شجاعة.
اتصال يتحول إلى لقاء، واللقاء إلى مصارحة، والمصارحة إلى تفاهم، والتفاهم إلى مصالحة.
ولا أحد يطلب من أحد أن ينسى تاريخه، أو يتنازل عن قناعاته، أو يمحو ما حدث.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن نتذكر الماضي، وبين أن نسمح للماضي بأن يحكم المستقبل.
وهنا تحديدًا يمكن أن يكون دور حسين الشيخ مهمًا.
فإذا استطاع أن يحول التواصل القائم إلى مسار سياسي وتنظيمي جاد، فقد لا تكون المسألة مجرد تسوية خلاف بين قيادات.
قد تكون محاولة لإعادة جمع قوة فتح قبل أن تدخل واحدة من أكثر مراحلها حساسية.
ولمن قد لا يعجبه هذا الكلام...
وأعرف جيدًا أن هذا الطرح قد لا يعجب الجميع.
وقد أجد من هنا أو من هناك من أبناء فتح من يرفض التقارب، أو يتحفظ على المصالحة، أو يرى أن جراح الماضي لا تزال أكبر من أن تُطوى، وربما يجد من يختلف معي في تناول هذا الحدث أو في مجرد طرح السؤال.
وهذا حقه.
فالاختلاف في الرأي لا يجب أن يتحول إلى خصومة، والحرص على فتح لا يعني أن نتفق جميعًا على الطريقة نفسها لحمايتها.
أنا لا أكتب هذا المقال ناطقًا باسم قيادة، ولا ممثلًا لتيار، ولا مدافعًا عن شخص، ولا مهاجمًا لشخص.
أكتب من زاوية فتحاوية خالصة، ومن باب الاجتهاد والنصيحة، ومن منطلق أن المرحلة تستحق أن نطرح الأسئلة الصعبة بدل أن نخاف منها.
قد أكون مصيبًا وقد أكون مخطئًا.
وقد يرى آخرون أن المصالحة في هذا التوقيت غير مناسبة، أو أن شروطها لم تنضج بعد، أو أن هناك ملفات وقضايا لا تزال بحاجة إلى معالجة.
وهذا كله قابل للنقاش.
لكن ما لا أقبله هو أن يتحول النقاش إلى تخوين، أو أن يُتهم كل من يدعو إلى التقارب بأنه تنازل عن تاريخه أو انحاز لهذا الطرف أو ذاك.
فالمصالحة ليست صك براءة لأحد، وليست إلغاءً للتاريخ، وليست مطالبةً لأحد بأن ينسى ما حدث.
هي سؤال فتحاوي مشروع:
هل نستطيع أن نختلف دون أن نبقى أعداء؟
وهل نستطيع أن نحافظ على مواقفنا، وفي الوقت نفسه نبحث عن مساحة مشتركة تحمي فتح من مزيد من الانقسام؟
فالذين يخشون المصالحة عليهم أن يقدموا حججهم، والذين يؤيدونها عليهم أن يقدموا ضماناتها، والذين يتحفظون عليها عليهم أن يقولوا لماذا.
أما إغلاق باب النقاش قبل أن يبدأ، فليس قوةً تنظيمية، بل خوفٌ من السؤال.
لا أحد يطلب المستحيل
يا أبناء فتح...
لسنا بحاجة إلى المزيد من الجدران، ولا إلى المزيد من التخوين، ولا إلى إعادة فتح دفاتر الماضي كلما حاول أحد أن يمد جسرًا نحو الآخر.
نحن بحاجة إلى عقل فتحاوي يعرف أن الاختلاف طبيعي، لكن تحويل الاختلاف إلى قطيعة دائمة هو الذي يقتل التنظيمات.
اختلفوا... ولكن لا تسقطوا بعضكم.
تنافسوا... ولكن لا تهدموا بيتكم.
احتفظوا بقناعاتكم... ولكن لا تجعلوا خلافاتكم هديةً لخصومكم.
فالقضية أكبر من الأشخاص، وفتح أكبر من الأسماء، وفلسطين أكبر من كل الخلافات.
التاريخ لا ينتظر طويلًا
قد تأتي لحظة في حياة القادة لا يكون السؤال فيها:
ماذا أريد أنا؟
بل:
ماذا يريد مني الوطن؟
وأعتقد أن هذه واحدة من تلك اللحظات.
فإذا كان التواصل قد بدأ، وإذا كانت القنوات قد فُتحت، وإذا كان هناك استعداد للاستماع، فلماذا لا تتحول هذه اللحظة إلى بداية حقيقية؟
لماذا ننتظر حتى تبدأ المعركة الانتخابية، ثم نكتشف أن البيت يحتاج إلى ترميم؟
رمّموا البيت قبل المعركة.
فيا أخي القائد حسين الشيخ...
إن كنت قادرًا على فتح الباب، فافتحه.
ويا أخي القائد محمد دحلان...
إن وجدت بابًا يُفتح من أجل فتح والقضية، فلا تجعل الماضي يغلقه.
فالمصالحة ليست تنازلًا.
المصالحة شجاعة.
وليست انتصارًا لطرف على آخر.
إنها انتصار لفتح.
كلمة أخيرة
قد يرى البعض أن جراح السنوات لا تُشفى بجلسة واحدة، وهذا صحيح.
لكن المصالحات الكبرى لا تبدأ عادةً بعد أن تختفي كل الخلافات؛ بل تبدأ عندما يقرر أصحابها أن الخلاف لم يعد سببًا كافيًا لاستمرار القطيعة.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس أن ننسى الماضي، وإنما ألا نسمح له بأن يصادر المستقبل.
فقد تختلف القيادات، وتتباين الاجتهادات، وتتعدد الرؤى، لكن هناك حقيقة يجب ألا يختلف عليها أحد:
فتح ليست ملكًا لشخص، ولا لتيار، ولا لجناح.
فتح تاريخٌ ودمٌ وتضحيات، وفلسطين هي السقف الذي يجب أن يجتمع تحته الجميع.
ولهذا يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يفعلها حسين الشيخ؟
وهل يجد في المقابل من يمد يده للمصافحة؟
فربما تكون المصافحة التي يخشاها البعض اليوم...
هي ذاتها المصافحة التي تحتاجها فتح غدًا.
وربما يكون أقوى انتصار سياسي ليس أن تهزم أخاك...
بل أن تعرف متى تتصالح معه، قبل أن يهزمكما خصمكما معًا.



