الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:47 AM
الظهر 12:40 PM
العصر 4:17 PM
المغرب 7:14 PM
العشاء 8:32 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حماس تتغير

الكاتب: هاني المصري

         

في عام 2005 كتبتُ ورقة حملت العنوان نفسه: «حماس تتغير». جاء فيها أن حركة حماس، بموافقتها على إعلان القاهرة في آذار/مارس 2005، الذي تضمن جملة من النقاط التي تفيد بأنها قررت الانضواء في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، والمشاركة في السلطة الوطنية، قد بدأت تحولًا مهمًا في نهجها السياسي. وقد تأكد ذلك من خلال قرارها المشاركة في الانتخابات المحلية التي أُجريت في العام نفسه، ثم في الانتخابات التشريعية التي جرت في العام التالي.

وما جعلني أقول آنذاك إن حماس تتغير هو أنها كانت قد رفضت في السابق الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية، رغم العرض السخي الذي قدمه لها الرئيس الراحل القائد ياسر عرفات، وسعت بدلًا من ذلك إلى تشكيل منظمة بديلة أو موازية لمنظمة التحرير. كما أن حماس كانت قد قاطعت الانتخابات التشريعية الأولى، باعتبارها نتاجًا لاتفاق أوسلو الذي عارضته وطالبت بإسقاطه.

لذلك، فإن قرار حماس الدخول إلى منظمة التحرير والسلطة الوطنية، من دون اشتراط تغيير النهج السياسي أو إسقاط أوسلو، مثّل تحولًا كبيرًا في موقفها. ولكن إذا تمعنا في أسباب هذا التحول وجذوره، نجد مجموعة من العوامل التي ساهمت في دفعها إليه.

أولًا: أدركت حماس أن تشكيل منظمة بديلة أو موازية لمنظمة التحرير هدف بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيل التحقيق، بسبب اصطدامه بقرار عربي ودولي راسخ يعتبر منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ولذلك اختارت العمل على تغيير منظمة التحرير من داخلها، بدلًا من السعي إلى إنشاء إطار بديل عنها.

ثانيًا: تصورت حماس أن حركة فتح، بعد اغتيال ياسر عرفات، وفشل قمة كامب ديفيد عام 2000، وفشل المسار السياسي الذي راهنت عليه قيادة المنظمة، أصبحت أضعف بكثير، بما يسمح لها بأن تصبح شريكًا كاملًا في النظام السياسي الفلسطيني، وربما أن تحل تدريجيًا محل فتح في قيادة المشروع الوطني.

وشجعها على ذلك أيضًا تغير المقاربة الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، حين تبنت إدارة جورج بوش الابن مقاربة تقوم، في أحد جوانبها، على أن الاستقرار في المنطقة يحتاج إلى تغيير الأنظمة التي توفر بيئة للتطرف، وتشجيع ما سُمّي آنذاك بـ«الإسلام المعتدل» في مواجهة «الإسلام المتطرف».

وفي سياق هذه التحولات، جرى التعامل مع أوسلو من قبل حماس وكأنه مات. والحقيقة أن أوسلو مات إسرائيليًا، لكنه ظل، ولا يزال، حيًا يرزق فلسطينيًا. والدليل الدامغ على ذلك بقاء سلطة الحكم الذاتي، وتمسكها بالالتزامات السياسية والاقتصادية والأمنية المترتبة على اتفاق أوسلو.

فالحكومات الإسرائيلية، منذ اغتيال إسحق رابين، تخلت تدريجيًا، ثم كليًا، عن معظم الالتزامات الإسرائيلية الواردة في أوسلو. ومع ذلك، فإن الحكومات الإسرائيلية، بما فيها الحكومة الحالية التي تُعد الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل، ورغم نعيها المتكرر لأوسلو، لم تقرر دفنه وإلغاؤه رسميًا؛ حتى لا تتحمل المسؤولية الكاملة عن الجريمة، وحتى تبقي على الالتزامات الفلسطينية المنصوص عليها فيه.

ومن المفارقات اللافتة أن رابطة المرأة الإسلامية دعتني إلى عرض ورقتي التي تتحدث عن تغير حماس، وألقيتها في مؤتمر حاشد  بحضور عدد كبير من قيادات وكوادر وأنصار حركة حماس، عُقد في مدرج الشهيد ظافر المصري في جامعة النجاح الوطنية.

وقد أثار ذلك غضب بعض شباب الكتلة الإسلامية، الذين بدأوا بالتكبير والهتاف بأن «حماس ثابتة ولا تتغير». وكان الشيخ حسن يوسف يجلس إلى جانبي، فالتفت إليّ وقال إن حماس لا تتغير. فرددت عليه بأن التغير سنة الحياة، وأن الجماد وحده لا يتغير، ومن لا يتغير تتجاوزه الأحداث.

وأي حركة سياسية يهمها، قبل كل شيء، تحقيق أهدافها وتنفيذ برنامجها. لكن يهمها أيضًا، وربما قبل ذلك، البقاء السياسي. فالمتغيرات والتحديات والمخاطر، وأحيانًا الفرص، قد تفرض على الحركات السياسية أن تتغير باعتبار التغيير سبيلًا وحيدًا للبقاء وتحقيق الأهداف.

وهذا بالضبط ما يحصل مع حركة حماس في هذه المرحلة.

فهي وافقت على خطة ترامب، وإن جاء ذلك بصورة تدريجية، لأن الموافقة عليها مثلت، في تقديرها، المخرج الوحيد لوقف حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة، والتي اكتسبت، بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم ( 2803 )، غطاءً دوليًا وأصبحت الخطة الأمريكية الإطار السياسي المعتمد لوقف الحرب.

ثم وافقت حماس على النقاط الخمس عشرة، التي تنصلت إسرائيل لاحقًا منها ، ورغم ذلك حصلت على التغطية الأمريكية، رغم أنها خطة أمريكية بامتياز. وأبدت حماس استعدادًا لنزع سلاحها بصيغة تخزينه وتسليمه إلى اللجنة الإدارية، والتخلي عن السلطة في قطاع غزة، والتحول إلى حزب سياسي، مقابل وقف حرب الإبادة، وانسحاب القوات الإسرائيلية بصورة متزامنة، وتنفيذ بقية بنود الخطة، وفي مقدمتها إعادة الإعمار.

ولا يمكن المزايدة على حماس، أو على بقية مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، أو القيادة الفلسطينية والسلطة الوطنية، بشأن أسباب قبولها بخطة ترامب، وباللجنة الإدارية التابعة لمجلس السلام، الذي يشكل عمليًا مجلس وصاية استعماري يتجاوز وسيكون بديلا  للنظام السياسي الفلسطيني بمختلف مكوناته.

فارتفاع عدد الشهداء الفلسطينيين إلى أكثر من 1500 منذ وقف إطلاق النار في شهر أكتوبر الماضي، وارتكاب قوات الاحتلال مختلف أنواع الخروقات، بما في ذلك توسيع رقعة الأراضي التي تحتلها داخل قطاع غزة لتصل إلى نحو 70%، من دون وجود أي رد فلسطيني قادر على وقف هذه الانتهاكات، يقدم جوابًا بالغ الدلالة عن حجم الضعف والمأزق الذي وصلنا إليه.

لكن ذلك لا يعني أن علينا الامتناع عن طرح الأسئلة الصعبة.

بل على العكس، المطلوب اليوم هو حوار عميق، ومراجعة جريئة، ومساءلة ونقد صريح حول لماذا وصلنا إلى هذا الوضع، وكيف بلغنا هذا المستوى المنخفض جدًا من موازين القوى والقدرة على التأثير، وكيف يمكن الخروج من هذا المأزق وبناء وضع فلسطيني أفضل.

نعم حماس تتغير. لقد تغيرت في السابق، وهي تتغير الآن أيضًا. لكن هذا لا يعني، ولا ينبغي أن يعني، أن تغيّر جلدها أو أن تتخلى عن هويتها وبرنامجها ودورها. غير أن التغيير الكافي أصبح ضرورة، لأن عدم التغيير قد يجعل بقاءها السياسي والتنظيمي نفسه موضع خطر.

والتغيير الأكبر المطلوب من حماس، ومن غيرها من فصائل المقاومة، هو وقف المقاومة المسلحة في هذه المرحلة، لأنه شرطًا إسرائيليًا يحظى بموافقة إقليمية ودولية، ولأن استمرارها في ظل موازين القوى الراهنة قد يوفر ذريعة لاستمرار حرب الإبادة وإطالة معاناة الشعب الفلسطيني وعدم الانسحاب الإسرائيلي و الشروع بإعادة الإعمار التي يجب أن تكون أولوية الأولويات حتى نمنع الهجرة والتهجير.

ويمكن وقف المقاومة المسلحة، ولكن من دون التخلي عن المشروع الوطني الذي بحاجة إلى إعادة صياغة وتوافق وطني، ولا عن الحق في المقاومة بكل أشكالها، ومن دون الالتزام بعدم اللجوء إليها مستقبلًا إذا تغيرت الظروف وسمحت وتطلب الأمر ذلك. والأهم ألا تتم إدانة المقاومة بأثر رجعي، كما حدث في أوسلو وملحقاته، بحيث يتحول قرار سياسي مؤقت فرضته ظروف محددة إلى تنازل دائم عن الحقوق والثوابت.

فالحركات السياسية لا تعيش في فراغ، ولا تتحرك في ظروف ثابتة. وهي مطالبة بأن تتكيف مع المتغيرات من أجل حماية شعبها وتحقيق أهدافها. لكن التكيف لا ينبغي أن يتحول إلى استسلام، والتغيير لا ينبغي أن يعني التخلي عن الحقوق، والحرص على البقاء السياسي يجب أن لا يكون ثمرة خبيثة للرهان على الإدارة الأمريكية التي لا يمكن الرهان عليها، ولا يعلو على بقاء الشعب والقضية والحقوق .

المطلوب هو أن تتغير حماس، وأن تتغير فتح، وأن تتغير بقية القوى الفلسطينية، وأن يتغير النظام السياسي الفلسطيني كله، وأن نشهد حركات وحراكات وأحزاب ونهضة جديدة، بما يسمح بالانتقال من إدارة الانقسام والأزمة إلى بلورة رؤية شاملة ينبثق عنها استراتيجيات مناسبة وبناء قيادة وطنية واحدة قادرة على حماية الشعب الفلسطيني وحقوقه ومصالحه، واستعادة زمام المبادرة بدل الاكتفاء بالتكيف مع ما يفرضه الآخرون.

فالتغيير ليس نقيض الثبات.

الثبات على الأهداف والحقوق لا يعني الجمود في الوسائل والسياسات.

وهذه هي المسألة التي ينبغي أن تكون موضع النقاش الحقيقي اليوم.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...