الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:47 AM
الظهر 12:40 PM
العصر 4:17 PM
المغرب 7:14 PM
العشاء 8:32 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حين تصبح فتح بحاجة إلى فتح  

الكاتب: د. عدنان ملحم

تعوم البلاد على مستنقع آسن من العجز والفساد والتيه والفقر واللامبالاة. حقيقة واضحة للعيان، لم تعد سرا أو ادعاء أو رواية  كاذبة . الحصار والأزمات والمخاوف والفضائح تتراكم وتنتشر في كل مكان ، حتى باتت البلاد تقبع على فوهة بركان ، أو كأنها  تقيم داخل حقيبة سفر، لا تعرف إلى أين تمضي . ويجمع الشعب الفلسطيني قاطبة  ، دون تردد ، على تحميل كياناته السياسية والاقتصادية والوطنية المسؤولية الكاملة عما أصابه من ويلات وإخفاقات .

فشل النظام السياسي والوطني الفلسطيني في بناء نموذج حكم مؤسساتي نزيه ، وإقامة نظام عادل ، أو حتى الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقة السليمة مع شعبه. فانهارت القيم ، وتحولت المناصب إلى غنائم ، والثروة إلى معيار ولاء ، والسلطة إلى أداة نفوذ وحكم . ضاعت البلاد ، وتشتت العباد ، وتآكلت الهويات ، وخسرنا أنفسنا قبل أن نخسر الأرض .

قلنا لكم : زواج الثورة مع السلطة خطيئة مكتملة الأركان ، وزواجها بالثروة خيانة ، والتحالف مع المال والمصالح ، حين يسخر  القانون لخدمتها ، فساد . وتوريث المناصب وهندسة الولاءات انهيار ، والعجز عن حماية الناس والدفاع عنهم والوقوف إلى جانبهم ذل وخنوع . 

وقلنا لكم : إن تحالف حركة فتح مع السلطة كان خيارا  مدمرا ؛ أطاح بروحها ، وأضاع بوصلتها ، وشتت رسالتها ، وحاصرها في مربعات وأولويات ضعيفة وخاسرة ، وحوّل أعضاءها إلى موظفين محاصرين في زنازين الحكم والمال .

وقلنا لكم : إن الأحزاب والحركات الثورية العربية التي استلمت الحكم تهاوت وسقطت في خطايا الاستبداد . ابتعدت عن الناس ، وسكنت الأبراج العالية ، ونسيت لغتهم ، وارتكبت المحرّم الوطني ، فدمرت  نفسها ، وسحقتها شبكات المصالح ، قبل أن تسقطها شعوبها .

ويجب الاعتراف بأننا جميعًا نتحمل مسؤولية هذه الجريمة الوطنية النكراء . الصمت تواطؤ ، والحياد خيانة ، والتصفيق للفاسد فساد ، وتقديمه إلى الأمام خطيئة .

ويجب الاعتراف بأن نزول الثوار عن قمم المبادئ والجبال ، واستقرارهم في القصور ، وارتهانهم للمكاسب والمغانم والمناصب ، اغتيال لروح الثورة ، وتمزيق لجسد الوطن ، وتحويل للبلاد إلى سوق للنفوذ والثروة ، وميدان سباق على المواقع والمصالح ، وكهوف للخوف واللاوعي واللامبالاة .

ذابت الفصائل في أتون الحكم ، وتحول روادها إلى موظفين مشتتين ، حائرين ، صامتين ، تطوق أعناقهم أغلال الديون والفقر والبطالة والصمت .

ويجب الاعتراف بأن مسار السلام لحل القضية الفلسطينية قد انتهى فعليًا ، وأن الارتهان إليه وحده كان خطيئة كبرى، ومدخلًا استغله العدو لإكمال مشروعه الصهيوني الاستيطاني الإحلالي ، ونحر كل الاتفاقات والتفاهمات الثنائية والدولية والإقليمية .

ويجب الاعتراف بوصول القطار الثوري إلى طريق مسدود ، وارتطامه بواقع فلسطيني منقسم ومشتت، محدود الإمكانات، ومحاصر بقوة الأعداء ، ومثقل بتعدد الاجتهادات وغياب الأولويات والاستراتيجيات .

ويجب الاعتراف بموت النضال الجماهيري والمجتمعي ، ودفنه في مقابر اللامبالاة والفزعات والمزاجيات ، وسط ندرة الإمكانات وغياب الخطط .

الأمل الأخير : هو عودة حركة فتح إلى عقلها ، وإلى شعبها وجماهيرها وناسها في كل موقع ومكان ؛ تشاركهم تفاصيل حياتهم وعمق تجاربهم ، وتفهم أشكال صمودهم ، وتكون حاضرة في أفراحهم وأحزانهم ، ومشاكلهم وجوعهم وخوفهم وأمراضهم .

والأمل الآخر : هو عودة قيادات وكوادر وحماة الأرض المحتلة ، جنودها الذين قادوا العمل الوطني في الانتفاضات والهبات ومجالس الطلبة والنقابات والاتحادات ولجان الشبيبة ، إلى مواقع القرار وجغرافيا البلاد .

أما الأمل الحاسم : فهو خلق تمايز، أو فصل واضح، بين السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح ؛ لأن دمجهما خطف روح الحركة ونهجها وبوصلتها ورسالتها ، ولوّث سمعتها، وأصاب جسدها بالشلل ، وحوّلها إلى أداة وتابع لدوائر النفوذ ، تشكّل مواقفها وفق نظريات الحكم واتفاقاته وتحالفاته ، حتى عُرّيت من نهجها وتاريخها وصورتها .

أيها الفتحاويون :

فتح لم تولد لتكون غطاء  للفاسدين ، ولا سلما  للوصوليين، ولا مظلة  للظالمين ، ولا ملجأ  للعاجزين ، ولا عصابة  للطامعين ، ولا ممرًا للمهربين ، ولا ساحةً للمهزومين .

فتح أم الشهداء والأسرى والجرحى ، وحاضنة الفقراء والمهمّشين ، وحارسة المخيمات والبلدات والقرى والأغوار . فتح ملك الناس جميعًا ، وأملهم وحلمهم وسفينتهم .

أيها الفتحاويون :

كان المؤتمر الثامن لحركتنا مذبحاً دامياً  للتنظيم والنضال والكفاءات والتاريخ والجغرافيا ، ومسرحية متقنة للنفوذ والميراث والمال والمحاور والولاءات . دفنوا روح حركة فتح ، وأرواحنا معها، من أجل رسم خريطة جديدة وصورة حديثة للمشهد الفلسطيني المصلوب .

الانتخابات التشريعية القادمة ، إما أن تكون عملية تطهير وبناء ، وإعادة حشد للطاقات ورصّ الصفوف ، أو أن تكون اكتمالًا لسقوط الجغرافيا ، وتهويدًا للتاريخ والبلاد ، ونهاية جيل شجاع .

يجب أن يسلم الشعب الفلسطيني مولوده المنتظر لأيد  نظيفة، قادرة ، معطاءة ، غير ملوثة بالفساد والتزوير والفشل . فالوطن محاصر من كل صوب وحدب ، والأمواج عاصفة غاضبة ، والسفينة توشك على الغرق ، والميناء يعيث فيه الخراب .

فلسطين قلعتنا ، ومعركتنا الأخيرة ؛ ممنوع أن تهزم  أو تستباح . وشعبها العظيم يستحق الحياة والحرية ، فقد خذلته حركته الوطنية كثيرا ، وأشبعت جسده سهام الغدر والفرقة .

وحركة فتح أمل الشعب الفلسطيني ، وحصانه الأصيل القادر على توحيد الناس وجمعهم حول رؤية واحدة ، وبث روح الأمل في نفوسهم ، واستعادة ثقتهم بقدراتهم وإمكاناتهم ، وإعادة الوعي إلى دواخلهم .

آن الأوان ليصرخ الناس جميعًا ، وبصوت عالٍ : كفى عبثا   بفلسطين وحركة فتح . آن أوان أن يرحل كل من أثقل كاهلهما بالأخطاء ، وأساء إلى صورتهما . فليتركوا للناس حقهم في الأمل ، وللوطن فرصة  لاستعادة عافيته . لن يغفر التاريخ خطايانا ، ولن تغفر الجغرافيا ضياع البلاد ، وتيه العباد ، ووجع الأصفاد . 

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...