الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:57 AM
الظهر 12:37 PM
العصر 4:10 PM
المغرب 6:58 PM
العشاء 8:15 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

​​​​​​​ستبقى فلسطين التي أَخفتها خرائط نتنياهو،وطنا لشعبها وإلى الأبد رغما عنهد.

الكاتب: محمد عودة

|
في الأيام الأخيرة، توالت التصريحات الصادرة عن القادة الإسرائيليين، وترافقت معها خطوات على الأرض في غزة والضفة الغربية والقدس، وقد تبدو هذه التصريحات والسياسات، للوهلة الأولى، ملفات متفرقة؛ لكن جمعها في سياق واحد يطرح سؤالًا أكبر: إلى أين يقود هذا المسار فلسطين وشعبها؟ ولعل أفضل مدخل للإجابة عن هذا السؤال خريطةٌ عُرضت أمام العالم قبل ثلاث سنوات، وأخفت فلسطين كاملةً عن المشهد.

ففي أيلول/سبتمبر 2023، وقف بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ورفع خريطة أسماها «الشرق الأوسط الجديد». ظهرت إسرائيل على الخريطة ممتدة فوق الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، بينما غابت فلسطين تمامًا. لم تكن تلك الخريطة مجرد صورة في خطاب سياسي؛ فقد اختصرت، بصورة بالغة الوضوح، تصورًا لمستقبل المنطقة: إسرائيل ممتدة على الأرض، وفلسطين غائبة عن الخريطة.

غير أن الخرائط لا تصنع الحقائق بمجرد رسمها، ولا تستطيع أن تمحو شعبًا بإخفاء اسمه. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا غابت فلسطين عن خريطة نتنياهو، وإنما: هل يجري العمل اليوم على تحويل غيابها من خريطة إلى واقع؟ ومن هنا رفضت الأمم المتحدة الخريطة بطريقة دبلوماسية.

عندما ننظر إلى ما يجري في غزة والضفة الغربية والقدس، يصعب التعامل معه باعتباره مجموعة من الملفات المنفصلة. ففي غزة تتصاعد الدعوات إلى تغيير واقع القطاع السكاني، وفي الضفة يتوسع الاستيطان وتُصادر الأرض وتُعاد هندسة الجغرافيا، وفي القدس ومخيمات الضفة تتسع العمليات العسكرية والإخلاءات، بينما تتعرض السلطة الفلسطينية لضغط متزايد. وبين هذه المسارات كلها يتشكل اتجاه واحد: منع قيام فلسطين بوصفها كيانًا سياسيًا قادرًا على السيادة وتقرير المصير.

في غزة، تحولت فكرة إخراج السكان من القطاع إلى خطاب سياسي معلن داخل الحكومة الإسرائيلية. طُرحت خطط تتحدث عن نقل أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى خارج غزة، وعن إنشاء ترتيبات ومؤسسات تساعد على ما يسمى «الهجرة الطوعية». وقد تبنى إيتمار بن غفير هذه الفكرة صراحة من خلال طرح خطة «فك الارتباط 710»، التي تستهدف إخراج نحو 1.86 مليون فلسطيني من غزة خلال سبع سنوات.

قد يبدو هذا المسار خاصًا بغزة، لكنه يكشف أحد مفاتيح المشروع الأوسع: جعل الوجود الفلسطيني نفسه قابلًا للإخراج من الأرض. وفي الضفة الغربية تُستخدم أدوات أخرى لتحقيق النتيجة السياسية ذاتها في صورة مختلفة: منع نشوء دولة فلسطينية قابلة للحياة وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

وهنا تبرز «خطة الحسم» التي طرحها بتسلئيل سموتريتش. فهي لا تتحدث عن إدارة مؤقتة للصراع، بل عن مستقبل سياسي للضفة يقوم على رفض قيام دولة فلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، وفي منطقها، تضع الخطة الفلسطيني أمام ثلاثة خيارات: الهجرة، أو الموت لمن يختار مقاومة المشروع، أما الخيار الثالث، لمن لم يهاجر أو يُقتل، فهو البقاء تحت السيادة الإسرائيلية كمقيم لا كمواطن.

ومن هنا يمكن فهم طبيعة الاستيطان بصورة أدق. فتقطيع التواصل الجغرافي الفلسطيني ليس الغاية النهائية؛ إنه وسيلة لإسقاط إمكانية قيام سيادة فلسطينية، فالمشروع لا يحتاج إلى إبقاء الضفة مقسمة إلى كانتونات إلى الأبد، بل إلى إزالة الشروط التي تسمح بقيام دولة فلسطينية، ثم تثبيت السيطرة الإسرائيلية على الأرض نفسها، ولهذا تصبح المستوطنات والطرق والمناطق العسكرية ومصادرة الأراضي أدوات لإعادة تشكيل الخريطة، لا مجرد إجراءات أمنية متفرقة.

وفي مواجهة الاستيطان، فرضت بريطانيا إجراءات على منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، مؤكدةً رفضها لتوسعها وتهديدها لحل الدولتين. وردّت إسرائيل بإعلان إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، لتتحول الخلافات حول الضفة من مواقف سياسية إلى مواجهة دبلوماسية مباشرة.

ولا تقف إعادة تشكيل الضفة عند الجغرافيا، فالأرض تعني أيضًا الماء والطاقة والزراعة والموارد الطبيعية، وهي قاعدة مادية لدولة ذات سيادة. ومن هنا تصبح السيطرة على الموارد جزءًا من السيطرة على الأرض، لا ملفًا منفصلًا عنها، ويأتي القانون الإسرائيلي ليمنح هذا الاتجاه بُعدًا مؤسسيًا، فقانون أساس «إسرائيل: الدولة القومية للشعب اليهودي» لعام 2018 ينص على أن حق ممارسة تقرير المصير القومي في أرض إسرائيل «خاص بالشعب اليهودي». وعندما يوضع هذا النص إلى جانب الاستيطان والحديث عن الضم والسيطرة المتزايدة على الضفة، فإن المسألة تتجاوز إدارة السكان إلى سؤال أكثر جوهرية: من يملك الحق السياسي في تقرير مستقبل الأرض؟

وفي هذا السياق تأتي تصريحات يسرائيل كاتس التي لوّح فيها بإمكانية الانتقال إلى «حرب شاملة» ضد السلطة الفلسطينية وبنيتها الأمنية والسياسية. وهي تصريحات لا تبدو منفصلة عن المسار الجاري في الضفة ومخيماتها والقدس، ولا عن الخطاب الإسرائيلي المتصاعد حول إعادة فرض السيطرة على الأرض. فالمسألة هنا ليست حادثة أمنية بعينها، وإنما التلويح باستهداف الإطار السياسي الفلسطيني نفسه.

وهذا يضع السلطة الفلسطينية أمام سؤال وجودي. فإذا جرى إضعافها أو تفكيكها، فلن يكون الأمر مجرد تغيير في شكل الإدارة المحلية، بل إزالة للإطار السياسي الذي ما زال يجسد وجودًا فلسطينيًا منظمًا على الأرض، وعندها تصبح الضفة أقرب إلى إدارة إسرائيلية مباشرة؛ واقع لا يعود فيه الفلسطيني شريكًا سياسيًا في تحديد مستقبل أرضه، وإنما سكانًا يخضعون لمن يملك القوة والسيطرة.

وفي الوقت نفسه، يجري تغيير البيئة التي يعيش فيها الفلسطينيون في الضفة والقدس، فالإخلاءات والاقتحامات وتدمير المنازل وإغلاق المناطق والعمليات العسكرية في المخيمات والتوسع الاستيطاني لا تعيد تعريف الأمن وحده؛ إنها تعيد تشكيل المكان نفسه، وتدفع السكان إلى واقع تصبح فيه الحركة والسكن والعمل والوصول إلى الأرض خاضعة بصورة متزايدة للسيطرة الإسرائيلية.

وهنا تظهر المفارقة التي لا يمكن تجاوزها في الحديث عن «الأمن». فالمستوطن يقيم في أرض فلسطينية محتلة، وتحميه القوة القائمة بالاحتلال، بينما يُطلب من الفلسطيني صاحب الأرض أن يتعامل مع هذا الوجود باعتباره وجودًا إسرائيليًا مشروعًا للحماية، وأن يُنظر إلى مقاومته لهذا الواقع باعتبارها اعتداءً على إسرائيل.

لا يجوز أن يبدأ القانون عند لحظة رد الفلسطيني، ثم يتوقف عند الاحتلال والاستيطان والاقتحام والاعتداء الذي سبقه، فالاحتلال لا ينقل السيادة إلى القوة المحتلة، والاستيطان لا يصبح مشروعًا بمجرد أن توفر له إسرائيل الحماية العسكرية، والحديث عن الأمن لا يمكن أن يمحو السؤال الأسبق: من احتل الأرض، ومن أقام عليها المستوطنات، ومن يملك أصلًا الحق في تقرير مصيرها؟

ومن هنا يصبح الأردن جزءًا طبيعيًا من الصورة. فإذا كان المسار في غزة يدفع نحو إخراج السكان إلى سيناء إن أمكن، وإن تعذر فإلى دول أخرى، والمسار في الضفة يضغط على وجودهم السياسي والجغرافي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى أين يذهب الفلسطيني إذا أُخرج من أرضه في الضفة؟

الأردن هو الامتداد الجغرافي الأقرب للضفة، ولذلك فإن أي مشروع للتهجير خارجها يضعه تلقائيًا أمام خطر أن يصبح المكان الذي تُدفع إليه نتائج هذا المشروع، ولهذا جاءت التحذيرات الأردنية المتكررة من الترحيل والوطن البديل، ووصل القلق إلى طرح اقتراح يتعلق بإسقاط الجنسية الأردنية عن مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الأردنية والمقيمين بصورة دائمة في الضفة الغربية. وبصرف النظر عن الموقف من الاقتراح، فإن ظهوره يكشف أن الخوف من تحويل الأردن إلى جزء من معادلة التهجير لم يعد افتراضًا نظريًا.

وفي المستوى السياسي الدولي، تتقاطع هذه التطورات مع أصوات وشخصيات أمريكية دفعت باتجاه دعم ضم الضفة الغربية، وقد ارتبط اسم مريم أديلسون، إحدى أبرز الداعمات لدونالد ترامب، بالضغط من أجل تبني موقف أكثر تأييدًا للضم، وهذه المسألة مهمة لأن تحويل السيطرة العسكرية والاستيطانية إلى واقع دائم يحتاج في النهاية إلى غطاء سياسي دولي، أو على الأقل إلى منع قيام ضغط دولي قادر على عكس المسار.

إذا جمعنا هذه العناصر، تتضح الصورة دون حاجة إلى افتراض وجود وثيقة سرية واحدة تجمعها. غزة تُدفع نحو الإفراغ السكاني، والضفة تُعاد هندسة جغرافيتها، والموارد تخضع للسيطرة، والاستيطان يتوسع، والسلطة الفلسطينية تتعرض للضغط، ومخيمات الضفة والقدس تخضع لعمليات تعيد تشكيل المكان، والأردن يواجه احتمال أن يجد نفسه في مواجهة نتائج التهجير.

 

هذه السياسات ليست متطابقة، ولا تُنفذ بالأداة نفسها، لكنها تتجه إلى نتيجة سياسية واحدة: إغلاق الطريق أمام قيام كيان فلسطيني ذي سيادة، وتحويل السيطرة الإسرائيلية على الأرض من واقع احتلالي إلى واقع دائم.

ولهذا فإن جوهر المشروع ليس تقسيم فلسطين إلى أجزاء منفصلة فحسب، فالتقسيم مرحلة، والاستيطان أداة، والتهجير وسيلة، وإضعاف السلطة مسار سياسي، والسيطرة على الموارد وسيلة لتثبيت الواقع، أما الغاية الأبعد فهي أن تصبح الأرض فلسطينية الاسم والتاريخ، إسرائيلية السيطرة والسيادة، بينما يفقد الفلسطيني تدريجيًا شروط وجوده بوصفه شعبًا صاحب حق سياسي في أرضه.

وهنا تعود بنا الصورة إلى خريطة نتنياهو في الأمم المتحدة. لقد أخفت الخريطة فلسطين، لكنها لم تستطع أن تخفي الأرض، وأخفت الاسم، لكنها لم تستطع أن تخفي الشعب، وربما كان ذلك هو الفارق الذي لا يستطيع أي مشروع سياسي تجاوزه: الخريطة يمكن أن تُرسم كما يريد صاحب القوة، أما التاريخ فلا يُرسم بالطريقة نفسها، يمكن تغيير أسماء الأماكن، وتوسيع المستوطنات، وشق الطرق، ومصادرة الأراضي، وإصدار القوانين، وفرض السيطرة العسكرية، ومحاولة تفكيك المؤسسات السياسية الفلسطينية، بل يمكن أن تُرفع أمام العالم خريطة لا يظهر فيها اسم فلسطين؛ لكن فلسطين ليست اسمًا على ورقة، وإنما أرض وشعب وذاكرة وهوية وحق.

ولهذا فإن ما أخفته خرائط نتنياهو ليس فلسطين نفسها، بل محاولة إخفائها عن المستقبل. غير أن فلسطين ليست مجرد مساحة يمكن محوها من خريطة، ولا شعبًا يمكن إخراجه من أرضه ثم إغلاق الملف؛ إنها حقيقة تاريخية وجغرافية وإنسانية تتجاوز الخرائط التي يرسمها أصحاب القوة، فلسطين التي أخفتها خرائط نتنياهو… ستبقى لشعبها وإلى الأبد رغمًا عنه.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...