الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:57 AM
الظهر 12:37 PM
العصر 4:10 PM
المغرب 6:58 PM
العشاء 8:15 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

إرهاب الميليشيات وحرب الضم الصامت: قرية "المغير" ونموذج تفكيك الريف الفلسطيني

الكاتب: د. باسم خضر التميمي دكتوراه في العلوم السياسية

في ظل انشغال المنظومة الدولية بتبعات التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة، تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة نمطاً متسارعاً من سياسات فرض الأمر الواقع وحسم الصراع جغرافياً وديمغرافياً. ولم يعد الاستيطان في المنظور التحليلي مجرد توسع عمراني خلف جدران إسمنتية، بل استحال استراتيجية سيادية مكثفة للضم الفعلي وتغيير الطابع القانوني للضفة الغربية؛ وتبرز قرية المغير (شمال شرق رام الله) كنموذج تطبيقي صارخ يختزل آليات التهجير القسري الصامت، والمنهج الإحلالي الذي يهدد البنية الوجودية للريف الفلسطيني ككل.

شهدت البيئة السياسية والقانونية للمشروع الاستيطاني تحولاً جوهرياً، عقب نقل الصلاحيات الإدارية والتشريعية في الضفة الغربية المحتلة إلى مديرية الاستيطان في وزارة الأمن، والتي يتولاها الوزير بتسلئيل سموتريتش بصلاحيات حكومية مطلقة. ولم يكن هذا الإجراء مجرد تعديل بيروقراطي، بل مَثّل إعلاناً سياسياً بإنهاء ولاية الحكم العسكري المؤقت، والانتقال الفعلي نحو "الضم الإداري والمؤسسي.

هذه المأسسة الحكومية وفرت غطاءً قانونياً وتشريعياً لشرعنة البؤر الاستيطانية الرعوية والعشوائية، فضلاً عن دمج المجموعات الاستيطانية المسلحة ضمن منظومة أمنية رسمية تُعرف بـ "كتائب الدفاع الإقليمي" و"فرق التأهب المحلية". وبذلك، تحول عنف المستوطنين من اعتداءات عشوائية إلى أدوات تنفيذية ممنهجة تتحرك بغطاء سياسي وحماية عسكرية مطلقة لفرض وقائع جيوسياسية جديدة على الأرض.

 تكتسب قرية "المغير" أهمية فائقة في الجغرافيا السياسية الفلسطينية؛ حيث تربض فوق المرتفعات الشرقية لمحافظة رام الله، مشكّلةً حلقة الوصل الحيوية بين وسط الضفة الغربية ومحيط الأغوار عبر شبكة محاور "خط ألون" الاستيطاني. وتهدف المخططات الإسرائيلية من وراء استهداف هذه المنطقة الحيوية إلى بتر التواصل الجغرافي الفلسطيني، وتحويل البلدات العربية إلى كانتونات مخنوقة تفتقر لأدنى مقومات الامتداد الإقليمي، بما يخدم استراتيجية الفصل العنصري والتقطيع الممنهج.

وتجسد المؤشرات الميدانية حجم هذا الانكماش؛ إذ تراجعت مساحة الأراضي المتاحة لنمو أهالي القرية واستخدامهم الزراعي والرعوي من 45 ألف دونم (المساحة التاريخية الإجمالية) إلى نحو 9 آلاف دونم فقط حالياً. وجاء هذا التمدد القسري عبر سلسلة من الأوامر العسكرية القاضية بإعلان "المناطق المغلقة"، ومصادرة الأراضي لصالح شبكة من البؤر الاستيطانية والمستوطنات الرعوية التي تطوّق القرية من جهاتها كافة، لإتمام عملية الهيمنة المكانية التامة.

 تُرجمت وتيرة المخططات الاستيطانية المتسارعة عبر تثبيت بؤر رعوية وتحصينات جديدة في محيط القرية، كبؤرة "ملاخي هشالوم" التي حظيت بشرعنة رسمية، والبؤر الجاثمة في منطقة "القبون-أرض الداليا". ويعتمد نمط "الاستيطان الرعوي" الناشئ على توظيف مجموعات صغيرة من المستوطنين المسلحين، يُناط بها السطو الممنهج على مساحات شاسعة من المراعي والأراضي الزراعية تحت وطأة الترهيب وقوة السلاح.

وأفرز هذا التكتيك تداعيات إنسانية وحقوقية بالغة الخطورة؛ تمثلت في التهجير القسري لأربعة تجمعات بدوية فلسطينية كانت تشكل حزام الحماية الرعوي التاريخي للمنطقة. ولم تقتصر هذه السياسة الإحلالية على البعد الديمغرافي، بل امتدت لتطال المقومات الاقتصادية والبيئية عبر اقتلاع وتدمير نحو 12 ألف شجرة مثمرة، في مسعى ممنهج لتقويض الأمن الغذائي للمزارعين، وفصم الروابط الوجودية والتاريخية التي تربطهم بأرضهم.

 أمام هذه المقاربة الإحلالية، التزم المجتمع المحلي في المغير باستراتيجية الدفاع والمقاومة الشعبية لحماية الملكية الخاصة والهوية الوطنية للأرض. وقد ترتب على هذا الصمود كلفة بشرية باهظة؛ إذ قدمت القرية عبر مسيرتها النضالية عشرات الشهداء ومئات الجرحى والأسرى.

وفي الآونة الأخيرة، ارتقى شهيدان من أبناء القرية خلال التصدي المباشر لهجمات مسلحة نفذتها المجموعات الاستيطانية بهدف إحراق الممتلكات المدنية، والاستيلاء على الثروة الحيوانية، وفرض حصار مادي خانق على منافذ القرية. وتؤكد هذه التضحيات رسوخ الإرادة الجمعية في مواجهة محاولات الاقتلاع، واعتبار الريف الفلسطيني خط الدفاع الأول عن الحيز الجغرافي الوطني.

 على الصعيد الدولي، تتسع الفجوة باطراد بين الإدانات الدبلوماسية المبدئية والواقع الميداني المتفاقم. وإذ تُجمع الأطراف الدولية والمنظمات الأممية -وفي مقدمتها محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري- على عدم شرعية المنظومة الاستيطانية برمتها، وتعتبرها انتهاكاً صارخاً للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر النقل القسري للسكان، فإن آليات الإنفاذ تظل معطلة.

ورغم فرض بعض القوى الدولية، كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عقوبات نوعية استهدفت أفراداً من المستوطنين وبؤراً رعوية بعينها، إلا أن القراءة التحليلية تفيد بأن هذه الإجراءات تظل "علاجات موضعية" قاصرة؛ فهي تعجز عن لجم البنية التشريعية والتنفيذية لسياسة الضم التي ترعاها حكومة الاحتلال رسمياً. هذا القصور يضع المجتمع الدولي أمام استحقاق ملحّ، يتجاوز لغة " القلق والتنديد" إلى تفعيل آليات المحاسبة، وفرض تدابير إلزامية جماعية لحماية المدنيين وصون حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

 إن المشهد المتدحرج في قرية "المغير" لا يمثل حدثاً محلياً معزولاً، بل يشكل عيّنة سوسيولوجية وسياسية تلخص الاستراتيجية العامة للاحتلال في الضفة الغربية، والمتمثلة في: تفكيك الريف، وتهجير التجمعات البدوية والمزارعين، وعزل الكتل السكانية الفلسطينية. ومع أن الصمود الميداني والمجتمعي لقرى الخط الأمامي يعطل حتمية هذا الحسم الجغرافي، إلا أن استدامته تتطلب تجاوز منطق الشجب الدبلوماسي التقليدي.

ويتطلب هذا الواقع بناء استراتيجية وطنية ودولية متكاملة، تقدم الدعم القانوني والمادي المباشر لتعزيز ثبات المزارعين في أراضيهم. كما يستدعي تفعيل أدوات القانون الدولي الجنائي للتصدي لجرائم حرب تندرج ضمن اختصاص القضاء الدولي، وتهدد ركائز الأمن والاستقرار الإقليمي.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...